الدين والعلم وقصور الفكر البشري
دكتور مهندس : محمد الحسيني إسماعيل
********************
- عدد صفحات الكتاب : 592 صفحة
يطلب من :
- مكتبة وهبة : 14 شارعن الجمهورية ـ عابدين ـ القاهرة ت : 3917470
- جميع الحقوق : محفوظة للمؤلف .
********************
التعريف بالكتاب
فى عام 1962 دعا البابا يوحنا الثالث والعشرون إلى عقد " مؤتمر الفاتيكان الثانى " ، وانتهى المؤتمر فى عام 1965 [1] إلى توصيات من بينها تأسيس " لجنة الحوار مع الأديان غير المسيحية " [2] إستنادا إلى أن الله [3] قد كشف النقاب عن ذاته فى أشكال جديدة من الإيمان . وفى عام 1968 إنعقد " مؤتمر القمة الروحى الأول لمعبد التفاهم " فى كلكتا فى الهند ، وكان يضم ممثلين عن الأديان الأحد عشر [4] . وكان موضوع المؤتمر : " مغزى الدين فى العالم الحديث " . ودارت أبحاثه كلها على أن أى دين لا يملك الحقيقة المطلقة ...!!! وإنما يملك شكلا من أشكالها . وهو ما يعنى بأنه ليس هناك ما يبرر تعالى دين على آخر ، بل ينبغى أن تتلاقى الأشكال المتباينة باعتبارها وجهات نظر لحقيقة مطلقة ، وبالتالى فليس من حق أى دين تحديد هذه الحقيقة المطلقة لاختلاف منظور الرؤية ، لأن تحديد دين ما ... لهذه الحقيقة المطلقة ... ينطوى على حذف الأديان الأخرى . فإذا ما قال دين ما ... بأن الدين هو الإيمان بـ " الله " والخلود ، فهذا القول يعنى حذف " الكونفوشية " لأنـها خالية من هذا الإيمان . وإذا ما تحدد الدين بالوحى ، فثمـة أديان أخرى خالية من هذا الوحى " كالبوذية " مثلا . ومقـولة " الحقيقة المطلقة " من شأنها أن تثير تساؤلا عن نشأتها ومبرر ملكيتها [5] .
وتاه الإنسان .. ذلك الحائر ..!!! ذلك الباحث عن الحقيقة المطلقة .. حتى وإن لم يعى .. وحتى بعد أن اعتقد فى أن الحقيقة المطلقة لديه .. أصبحت حقائق ..!!!
· ولم يفهم الإنسان ـ فيما يفهم ـ معنى " الله " .. الخالق المطلق لهذا الوجود ..!!!
· ولم يفهم الإنسان ـ فيما يفهم ـ معنى الدين ..!!!
· ولم يفهم الإنسان ـ فيما يفهم ـ معنى دور الدين فى حياة الإنسان ..!!!
ولم يدرك الإنسان ـ فيما يدرك ـ أنها غايات من الخلق .. وأنها لابد وأن تكون حقيقة مطلقة واحدة .. وليست حقائق ..!!!
ولم يدرك الإنسان ـ فيما يدرك ـ أن " الله مصدر الدين وليس الدين مصدر الإله " .. وما دام " الله " واحدا ولا متغيرا ، فلابد وأن يكون الدين ـ هو الآخر ـ واحدا ولا متغيرا .. ولـهذا ينبغى أن يكون دينـا واحدا [6] .. وليست أديانا ..!!!
ولم يدرك الإنسان ـ فيما يدرك ـ إذا كانت القضية الدينية : " قضية نسبية " وليست " قضية مطلقة " .. فقد الوجود غاياته .. وفقد " الله " حكمته ..!!! وليس هذا فحسب .. بل وفقد الله هويته الشخصية أيضا ..!!! سبحانه وتعالى [7] ..
) وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) (
( القرآن المجيد : الأنعام {6} : 18 )
[ وهو القاهر فوق عباده : أى هو القادر على قهر الإنسان على الإيمان بما يريده ويبغيه ، ولكنه يترك الإيمان به فى حيز الإرادة الإنسانية ... لأنها غايات من الخلق ]
وفى القرن السابع عشر ؛ صدرت " رسالة فى التسامح " من غير أن يذكر إسم مؤلفها ، خوفا من بطش الكنيسة [8] ..!!! وكان مؤلفها هو الفيلسوف الإنجليزى " جون لوك " ، والتى قال فيها بوجوب التسامح الدينى ، واستند فى رسالته ـ هذه ـ إلى " نظرية فى المعرفة " يدور معناها حول " حدود العقل الإنسانى وقصوره " ، ويخلص من هذه النظرية إلى : أن المعتقدات الدينية ليست قابلة للبرهنة أو لغير البرهنة ، فهى إما أن يعتقد فيها الإنسان أو لا يعتقد ، ولهذا ليس فى إمكان أحد أن يفرضها على أحد . ومن ثم يرفض جون لوك مبدأ الإضطهاد باسم الدين . ولكى يلزم رفض هذا المبدأ ، فإنه يجب أن يوجد مبدأ التسامح الدينى " .
ومات جون لوك ولم يعلم ـ فيما يعلم ـ أن الدين الحق لا يلزم أحد بالإيمان به ...
) وَقُلْ الحَقُّ مِن رَّبـِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيـُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْـفُرْ ... (29) (
( القرآن المجيد : الكهف {18} : 29 )
والحق هنا هو " الحق المطلق " أو هو " الحقيقة المطلقة " . فحرية العقيدة مكفولة للمرء تماما ، كما وإن حرية إعتناق الفرد لأى دين أو مذهب مكفولة له وبلا قيود .. فحدث بلا حرج .. فلا جبرية فى فكر ، ولا اضطهاد فى مخالفة ..!!! حتى يتحقق بذلك إختبار الإنسان فى هذه الحياة الدنيا .. ولكن هذه الحرية يحكمها قوانين أخرى مغايرة لما نألفه ـ نحن ـ من قوانين مادية .. فهى قوانين الغايات من الخلق ... ليتحقق فينا قوله تعالى ..
) ... ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلـَمُونَ (281) (
( القرآن المجيد : البقرة {2} : 281 )
) ... ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلـَمُونَ (161) (
( القرآن المجيد : آل عمران {3} : 161 )
ثم يصبح فكر الفيلسوف الإنجليزى " جون لوك " ـ فيما بعد ـ فكرا نمطيا ، ومسلمة فكرية لدى الإنسان . ويأتى " ولتر ستيس " الفيلسوف المعاصر ويردد ما ردده " جون لوك " من قبل ، ولكن بمفردات مختلفة ويقول [9] : [ أن القضايا الدينية لا تخلو من أحد أمرين ، إما أن تقوم على أساس من الحدس ، وإما أن تكون بلا أساس ] .
وهكذا يخطىء الإنسان ـ فيما يخطىء ـ حين يعتقد فى صحة ما قاله جون لوك من : " أن المعتقدات الدينية ليست قابلة للبرهنة أو لغير البرهنة " ..!!! ولم يتنبه الإنسان ـ فيما لم يتنبه له ـ إلى أن " القضية الدينية " فى الديانة الحقة هى : " قضية علمية كلية قابلة للبرهنة ولغير البرهنة " .. أى هى " قضية برهانية " .. وإلا لما قال المولى ( U ) :
) سَنُريهِمْ آياتِنَا فِى الآفاقِ وَفى أنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُ الحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ (53) (
( القرآن المجيد : فصلت {41} : 53 )
[ الآفاق : هى التناهى العلمى للإنسان ولفكره / الحق : يشير فى أحد معانيه إلى القرآن المجيد ، كما يمكن إلى أن يشير إلى الله ، عز وجل ]
وهو ما يعنى أن " القضية الدينية " هى قضية قابلة للبرهنة . أو بمعنى آخر ؛ هى قضية يمكن أن نعرفها بطريقة عقلية وعلمية مثل تلك الطريقة التى يقتنع بها العقل بالنظرية الرياضية والفيزيائية . ولكن الأمر هنا ـ أى أمر البرهان ـ يحتاج إلى منتهى فكر الإنسان وعلمه الذاتى والفيزيائى ، مدعم فى كل هذا بالمنطق الرياضى والتجربة الفيزيائية الدالة ..!!! ويتناهى هذا " الفكر البرهانى " فى الديـانة الحقة ، حتى يصل الخالق المطلق بالإنسان .. إلى ضرورة البرهان فى كل شىء .. حتى فى " قضية الشرك به " .. لقوله تعالى :
) وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبـِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكَافِرُونَ (117) (
( القرآن المجيد : المؤمنون {23} : 117 )
أى حتى " قضية الشرك بالله " ـ فى جميع صورها ـ ينبغى أن يكون لها ، هى الأخرى ، براهينها الخاصة ..!!! فالإنسان مطالب ـ فيما هو مطالب به ـ بالبرهان حتى فى قضية الشرك بالله . وعلى الإنسان أن يصحب معه ، فى رحلة عبوره لهذه الحياة ، هذا البرهان الدال على هذا الشرك .. لأن عليه أن يقدمه لخالقه المطلق [10] . ولن يستطيع الإنسان أن يقدم ـ فيما يقدم ـ مثل هذا البرهان .. مهما تخيل أنه قد يمكنه تبرير ذلك بالحجج ، ومهما أوتى من منطق ..
) قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّـةُ البَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أجْمَعِينَ (149) (
( القرآن المجيد : الأنعام {6} : 149 )
و ) … لِلـَّهِ الحُجَّـةُ البَالِغَةُ … ( إنما تعنى من جانب ، أن الإنسان مهما أوتى من حجج عقلية أو خلافه فإنه لن يستطيع أن يبرر شركه أو إعراضه عن الله ..!!! ومن جانب آخر ، فإن الحجة البالغة ، إنما تعنى أن المولى ( U ) يملك البرهان النهائى الدامغ على أن الإنسان لديه من الفطرة ما يكفى لمعرفة الحق من الباطل ، كما وأن لديه من العلم والعقل ـ الذى أهله الله به ـ ما يكفى لأن يقوده مباشرة إلى هذا الحق ، وإلى خالقه المطلق وبدون أى عناء ..!!! أى فلا أعذار ..
) أَمِ اتـَّخَذُوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً قُلْ هَاتـُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى بَلْ أكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ (24) (
( القرآن المجيد : الأنبياء {21} : 24 )
وهنا نرى أن هناك برهان آخر مطالب به الإنسان ) … قُلْ هَاتـُوا بُرْهَانَكُمْ … ( ، عند الإيمان بأى منهاج وضعى ( فلسفى / اجتماعى أو دينى وثنى ) .. ) أَمِ اتـَّخَذُوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً … ( ، غير " المنهاج الحق " الصادر عن " الله " ( U ) ..!!! كما وأن اعتناق الأغلبية لمثل هذا المنهاج الخاطىء مرتبط بأن ) ... أكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ... ( . وهو يعنى ـ فيما يعنى ـ أن " القضية الإيمانية " مرتبطة بجهل الأغلبية ذاتها ليس إلا ..!!!
وحتى إذا ما جاءهم " الحق " .. فهل سيؤمنون به ..؟!
) … بَلْ جَاءهُمْ بِالحَقِّ وَأكْـثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) (
( القرآن المجيد : المؤمنون {23} : 70 )
[ بل جاءهم بالحق : أى أن الرسول الكريم قد أرسله الله بدين الحق ]
فهذا هو حقيقة الجانب النفسى للغالبية ..!!! فمحمد ( r ) قد جاء بالحق ـ عن الله ( U ) ـ إلى البشرية ولكن ) … أكْـثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ( ..!!! ويتبع كراهية الإنسان للحق .. رفضه وإعراضه عن رؤية هذا الحق .. فيضع أصابعه فى أذنيه حتى لا يسمع هذا الحق ، ويستغشى بثيابه حتى لا يرى هذا الحق ..!!! وتعيد دورة الحياة ( The circle of life ) نفسها ..!!! ونكرر ـ على مسامع البشرية الغافلة ـ ما قاله نوح ( u ) لربه من قبل ...
) قَالَ رَبِّ إنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إلَّا فِرَارًا (6) وَإنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أصَابِعَهُمْ فِى آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابِهِمْ وَأصَرُّوا وَاسَتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) (
( القرآن المجيد : نوح {71} : 5 - 7 )
[ فرارا : تباعدا ونفارا عن الإيمان / استغشوا ثيابهم : بالغوا فى كراهيتهم لنوح إلى درجة التغطى بثيابهم حتى لا يروه ، كلما رأوه مقبلا عليهم عن بعد ]
فهذا هو الجانب النفسى للإنسان .. يلقى عليه المولى ( U ) الضوء ليساعد الإنسان فى عبور هذه الحياة ـ الدنيا ـ فى سلام ، بتحقيق الغايات من خلقه . فقضية " العلم بالحق " لاتكمن فقط فى عدم علم الإنسان بهذا الحق ، بل تكمن أيضا فى كراهية أغلـب الناس لهذا الحق ، لهذا فهم يعرضون عن معرفة هذا الحق ..!!! خصوصا إذا ما تعارض هذا الحق مع هوى النفس أو المصلحة أو التغيير طلبا لمنفعة يدركها أو لدنيا يصيبها الفرد ..!!!
ولم يتنبه الإنسان ـ فيما لم يتنبه له ـ أن إعراضه عن الحق ، كما وإن كراهيته لهذا الحق .. إنما هو جزء من الفطرة التى خلق عليها الإنسان . وهى الفطرة التى يتطلبها سيناريو أحداث الوجود لاختباره فى هذه الحياة الدنيا [11] .. لأنها غايات من الخلق ..!!!
وهكذا لن يستطيع الإنسان أن يقدم ـ فيما يقدم ـ من الحجج ما يبرر عبادته لغير الله ( U ) فى جميع صورها ، بما فى ذلك جميع صور الإعتقاد فى أى مناهج وضعية : إجتماعية/ سياسية كانت أو فلسفية ..!!! كما وأن الإنسان لن يستطيع إقامة الحجة أو الحجج فى عدم إتباعه لمنهاج الله ..!! وقل ما شئت عن : أن الإنسان لن يستطيع أن يقدم من الحجج ..!!! أى فلا أعذار ..
) … أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيـَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أوْ تَقُولُوا إنَّمَا أشْرَكَ آبَاؤنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيـَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المُبـْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلَ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174) (
( القرآن المجيد : الأعراف {7} : 172 - 174 )
والشرك هنا له معنى عام يشمل اعتقاد الإنسان فى النظم الوضعية أيضا . ففى الواقع ؛ أن " القضية الدينية " ـ فى الديانة الحقة ـ تمثل حقائق علمية كلية قابلة للبرهنة ولغير البرهنة . وبديهى لابد وأن يتنبه الإنسان إلى أن البرهان المطلوب " للقضية الدينية " هو برهان أوْلىَ من البرهان المطلوب " للقضية العلمية " ، لأن " القضية الدينية " هى ببساطة شديدة : " قضية وجود الإنسان ومصيره " . وبهذا المعنى يصبح معيار نجاة الإنسان وخلاصه [12] معلق بفهمه للقضية الدينية ، لهذا يتحتم على الإنسان فهمها وإدراكها بشكل قاطع ومحدد ، وليس هذا فحسب ، بل يجب عليه إقامة الدليل والبرهان على صحتها وصدقها ، وبديهى هو برهان فى قدر وطاقة الإنسان . فبديهى ؛ أن حال الكمال الإلهى يفرض أو يقضى بأن ...
) لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا … (286) (
( القرآن المجيد : البقرة {2} : 286 )
ويحسم الحق ـ تبارك وتعالى ـ البرهان على المعتقد الدينى أو القضية الدينية فى الديانة الإسلامية بقوله تعالى ..
) يَأيـُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبـِّكُمْ وَأنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (174) (
( القرآن المجيد : النساء {4} : 174 )
وهكذا تتناهى صفات " القرآن المجيد " حتى يصبح هو ذاته ) … بُرْهَانٌ … ( خالص .. كامل ومستقل بالمعنى المطلق له . ولن يدرك الإنسان ـ فيما يدرك ـ معنى " البرهان الذاتى " لمعنى تنزيل " القرآن المجيد " الضمنى فى هذه الآية الكريمة ، إلا إذا علـم أن كلمـة " نور " فى الفكر القرآنى هو الضوء المنعكس .. وليس الضوء المباشر أو الإشعاع الصادر عن الجسم المشع بذاته وبشكل مباشر . ليصبح القرآن المجيد ـ بهذا المعنى ـ هو الوسط اللازم الذى يعكس إشعاع الهداية الصادر عن الله ( U ) والذى يقود الإنسان من الظلمات إلى النور فى هذا التيه الذى يُختبر فيه ..!!!
) يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُخَفِّفُ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (28) (
( القرآن المجيد : النساء {4} : 28 )
إن قضية الغايات من الخلق هى قضية لا فلسفة فيها ولا لغو ..!!! كما لم يشأ الله ـ عز وجل ـ ان يهدينا أجمعين .. ليترك مساحة كافية لمشيئة الإنسان فى الإختيار .. حتى يتحقق الإختبار الإلهى .. لعقل وعلم الإنسان .. فى التعرف عليه ..!!!
وهكذا يخطىء " جون لوك " ، فيما يخطىء ، كما يخطىء معه الإنسان فيما يخطىء .. حين يعتقـدوا معا .. فى أن " القضية الدينية " هى قضية لا يمكن البرهنة على صحتها ، أى هى قضية إما أن " يعتقد " فيها أو " لا يعتقد " ..!!!
الدوجما ( Dogma ) [13] .. كلمة أصلها يونانى ، وتعنى القاعدة أو المبدأ أو الدستور الإيمانى ولا تعنى الحقيقة . ولكنها أستخدمت بعد ذلك فى التعبير عن قرارات المجامع الكنسية المسيحية والتى يعتقد مقرروها فى أنها تمثل الحقيقة المطلقة ..!!! قرارات كنسية خاطئة لا صلة لها بأرض الواقع .. ومنقطعة عن العقل .. وتصل الخرافة بالجهل .. وتلزم الكنيسة ـ فيما تلزم به ـ الإنسان فى أن يعتقد فى صحتها .. بل ويعتبرها هى الحقيقة المطلقة ..!!! كما وأن عليه أن يعتقد فى صحة التغييب العقلى .. ورفض العقل فى الدين [14] ..!!!
ولا أدل على ذلك من المنعطفات التاريخية التى تميزت بإبداعات قاومتها " الدوجماتية الكنسية " . ففى المنعطف الفلسفى أحرقت الكنيسة " الراهب الدومينيكانى :Dominican Monk The جيوردانو برونو " [15] عندما طلب مراجعة أفكارنا العادية القائمة على الحواس عن المكان والحركة لتصبح هذه المراجعة نقدا شاملا للأفق المتناهى . وفى المنعطف العلمى حوكم غاليليو غاليلى بدعوى نقده للمعتقد الدينى عندما إنحاز إلى نظرية كوبرنيكوس التى تقول بدوران الأرض حول الشمس وليس العكس ..!!!
ويخطىء الإنسان ـ فيما يخطىء ـ حين يقول .. وهكذا حال الإسلام ..!!! ولهذا لم يدرك الإنسان ـ فيما يدرك ـ قوله تعالى ..
) أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلِينَا قَبْضًا يَسِيرًا (46) وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اللَيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47) ( [16]
( القرآن المجيد : الفرقان {25} : 45 - 47 )
ويأتى الإنسان بجهل منقطع النظير ، وهو لا يدرى ما يقول .. ويقول .. وهكذا الإسلام ..!!!
) … سَتُكْتَبْ شَهَادَتُهُمْ ويُسْألُونَ (19) (
( القرآن المجيد : الزخرف {43} : 19 )
وهكذا يرفض الإنسان ـ فيما يرفض ـ التحكيم العقلى فى القضية الدينية ..!!! وأقف والحيرة تغلفنى أمام هذا الإنسان المُصِـرْ على الإعراض عن معرفة الحقيقة المطلقة ، وهو لا يدرى أنه هالك لا محالة لأنه لن يحقق الغايات من خلقه ..!!!
) يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ مَا يَأتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتـَهْزِءونَ (30) (
( القرآن المجيد : يس {36} : 30 )
*****************
ويعود الفكر قليلا إلى الوراء .. لتذكير القارىء ببعض ما عُرِضَ فى مرجع الكاتب السابق : " الحقيقة المطلقة .. الله والدين والإنسان " [17] ، كضرورة تقتضيها حال الوصل الفكرى اللازم بين الكتاب السابق والكتاب الحالى . ونبدأ بالقول بأن الكتاب السابق قد بين أن الدين هو فكر إلهى محض ، يمثل المسئولية الإلهية تجاه الإنسان فيما يريده " الله " ويبغيه منه . وليس هذا فحسب ، بل أن الدين هو المنهاج اللازم لتعريف الإنسان كذلك بـ .. خالقه .. كمالات .. وفعل . وقد إنتهينا إلى أن المتحدث فى الدين هو " الله " ، الخالق المطلق ، ذو الكمالات المطلقة ، والعليم بكل العلم المطلق ، وبالتالى لزم أن يكون الدين هو مصدر للمعرفة البشرية ، ماضيها وحاضرها ومستقبلها ، والغاية من الوجود والمصير ، وتكون القضايا الدينية هى " القوانين العلمية الكلية " لوجود متعال ، بينما يكون الوجود الإنسانى بفيزيائه وكونياتـه هى " القوانين العلمية الجزئية " لوجود جزئى أو محدود من هذا الوجود الشامل .
كما إنتهينا أيضا إلى أن الدين يجب أن يقوم بإلقاء الضوء على معارف جديدة ، تخرج كثيرا عن نطاق الإدراك البشرى المباشر والغير مباشر . وربما تدخل هذه المعرفة بهذا المعنى فى النطاق الغيبى أو " المعرفة الغيبية " . ولكن هذه المعرفة الغيبية ترتبط جذورها بالمعرفة الفيزيائية للعالم المادى المحيط بنا ، والتى يسهل معها التثبت منها ، وبالتالى التثبت من هذا الغيب . وبهذا المعنى ، يصبح الغيب فى " القضية الدينية " هو الإمتداد الطبيعى لوجود فيزيائى فعلى لواقع مشهود يمثل دليل الصدق عليه [18] .
كما يلقى الدين الضوء على إمكانية وجود الومضات أو الإلهامات الإلهية للإنسان ، التى يمكن أن تتجاوز وترقى به من البرهان الوضعى أو الإستدلال المنطقى لصحة الدين الى منطقة الرؤية المباشرة ، أو بمعنى أدق ، إلى الرؤية الوجدانية " لله " ( I ) ولرؤية الوجود الكلى دفعة واحدة ، وبدون أى عناء ذهنى أو برهانى . وهذه الرؤية الوجدانية قد تصل بالمرء فى معناها وفى مغزاها الى الإدراك اليقينى لما تجىء به الحواس المباشرة تماما .
وقد إنتهينا كذلك إلى أن الإنسان غير مؤهل فطريا لمعرفة المقاصد أو الغايات الإلهية من الخلق على وجه عام ، والحكمة الإلهية من خلق الإنسان على وجه خاص . كما يجب وأن نعترف بأن مثل هذا النوع من المعرفة لا يمكن التوصل إليه بأى شكل من الأشكال ، من خلال الخبرات المكتسبة ، أو من خلال أى خبرات عملية يمكن إجراؤها على نحو ما أو أخر فى معمل ما أو مختبر . كما لا يمكن الوصول إلى هذه المعرفة من خلال فكر فلسفى أو تأملى خاص ، أو من خلال فكر استنباطى رياضى ما [19] .
وبهذه المعانى يصبح الدين هو المصدر للمعرفة البشرية الذى يمثل إستكمال تعريف الإنسان بالخالق المطلق ، أى بـ " الله " .. سبحانه وتعالى ، وبـ " كمالات الله " .. المطلقة ، وكذا تعريف الإنسان بـ " فعل الله الكلى " ، وتعريف الإنسان بـ " نفسه " والغايات من خلقه بالمفهوم المطلق لهذه المعانى . وجميع هذه الأمور لم يؤهلنا " الله " بمعرفتها : " بالفطرة :By Default " ، ( أى بمعنى أن الله لم يتم تركيب هذه المعرفة فى النفس البشرية ، فى أثناء عملية التكون الجنينى للإنسان مثلها فى ذلك مثل الغرائز والحواس المختلفة ، ومثل فطرية إدراك وجود الله ) ، لهذا لزم أن يحيطنا الله علما بهذه المقاصد ، ولتصبح معرفة الغايات الإلهية من الخلق وكذا الحكمة من خلق الإنسان على وجه الخصوص ، هى محور سعى للمعرفة الإنسانية فى هذه الحياة .. لإدراكها على نحو مطلق ومؤكد .
وإخبار الله ( I ) الإنسان بهذه المعانى بشكل مباشر ، له قواعده وشروطه الخاصة التى يحددها الله سبحانه وتعالى ، ولا يحدد مفهومها الإنسان ، بل هى قوانين سرمدية عليا تحكم وجودنا نحن ذلك المخلوق الضعيف المتناهى .
وتأتى أول هذه القواعد أو الشروط على النحو التالى فى قوله تعالى :
) وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيـًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِـإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِىٌّ حَكِيمٌ (51) (
( القرآن المجيد : الشورى {42} : 51 )
فليس متوقعا أن يتم إخبار البشر بهذه المفاهيم بـ …
) .. أن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ وَالمَلائِكَةُ وَقُضِىَ الأمْرُ وَإلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (210) (
( القرآن المجيد : البقرة {2} : 210 )
أى ، فليس متوقعا أن يأتى الله ( I ) ـ فى ظلل من السحب ـ والملائكة .. للبشرية للتدليل على وجوده ووجود الملائكة . فمثل هذا الحدث ـ كما سبق وأن بينا [20] ـ يسقط التكليف عن الإنسان ، كما يفقد الوجود غاياته .
وبناءا على هذه المعانى ، تصبح فئة الأنبياء والرسل ـ التى يصطفيها الله لهذا الغرض ـ هى الفئة الوسيطة التى تستلزمها إستكمال معانى الغايات من الوجود ، وكذا الغايات من خلق الإنسان . فمن خلال هذه الفئة الوسيطة ، يقوم " الله " ( I ) بإيحاء ما يريده للبشرية ، ثم تقوم هذه الفئة ـ الوسيطة ـ بدورها بالتبليغ عنه فيما يريده الله ويبغيه منها ومن البشرية . وبهذا نخلص إلى أن الأنبياء والرسل هم ضرورة تحتمها الغايات الإلهية من خلق الإنسان .. كما جاء فى قوله تعالى :
) رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّـةٌ بَعْدَ الرُّسُلٍ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) (
( القرآن المجيد : النساء {4} : 165 )
[ مبشرين : من آمن ـ أى من حقق الغايات من خلقه ـ بأن له الجنة / ومنذرين : من كفر ـ أى من لم يحقق الغايات من خلقه ـ بالعقاب والعذاب ]
وبهذا تنتفى أعذار الإنسان بجهله بالغايات التى خلق من أجل تحقيقها . وبديهى أن الإنسان الذى أهَّلَهُ " الله " بالعقل والمنطق العلمى الكاف ، وبفطرة تضمن التمييز بين ما هو حق وما هو باطل ، لن يقبل أى تفسيرات جزافية أو خرافية ، تحت زعم أن الغايات أو المقاصد الإلهية يمكن أن تكون بكاملها غيبيات ، حيث لا يمكن التأكد منها أو القطع بصحتها على نحو مطلق . فمثل هذا المنطق لا يفقد الوجود غاياته فحسب ، بل يُفقد الله لهويته الشخصية أيضا ..!!!
) سُبْحَانَهُ وَتـَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) (
( القرآن المجيد : الإسراء {17} : 43 )
فـ ..
) هُوَ اللَّـهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّـهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤمِنُ الْمُهَيْمِنُ العَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّـهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّـهُ الْخَالِقُ الباَرِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَاواتِ وَالأرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ (24) (
( القرآن المجيد : الحشر {59} : 22 - 24 )
فهى مجموعة ـ من ـ الكمالات المحيطة ، التى لا يمكن أن تصدر إلا عن من يملك التعريف بها .. أو هى تعريف الذات بالذات ..
وتأتى ثانى هذه الشروط ، بأنه من غير المتوقع أن يقوم الله ( I ) بتبليغ الإنسان بغايات لا يستطيع الإنسان فهمها أو إستيعاب معناها ، فلابد وأن تقضى الكمالات الإلهية بأن ..
) لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا … (286) (
( القرآن المجيد : البقرة {2} : 286 )
فتكليف الإنسان بما لا يعى ولا يفهم ؛ إنما يعنى ـ ببساطة شديدة ـ أن الإنسان لن يفقد الغايات من وجوده فحسب ( طالما لا يفهمها ) ، بل سوف يسقط عنه التكليف أيضا . وليس هذا فحسب ، بل سوف تسقط كذلك أى شروط مصاحبة لهذه الغايات ؛ وهى الشروط التى يجب على الإنسان تحقيقها لاستكمال معانى وجوده فى هذه الحياة الدنيا .
ومن جانب آخر ؛ فإن تبليغ الإنسان بغايات لا يستطيع الإنسان فهمها أو إستيعاب معناها ، إنما تعنى ـ فيما تعنى ـ قصور القدرة الإلهية فى توصيل مراده إلى الإنسان مخلوقه . أو بمعنى آخر ؛ وجود الفجوة الفكرية بين المراد الإلهى وبين فكر ما خلق . وبديهى ؛ يمثل هذا قصور ونقص وتناقض صارخ مع ما ينبغى أن يكون عليه الله ( I ) من كمالات مطلقة .
ثم تختص ثالث هذه الشروط بصفات وخصائص فئة الأنبياء والرسـل ، أى فئة الإصطفاء الإلهى التى تقوم بالتبليغ عنه ـ عز وجل ـ للبشرية . فبديهى ؛ ينبغى أن تمثل هذه الفئة القدوة البشرية للبشرية فيما يتم تطبيقه عليها من أوامر ونواهى معينة ( تفرضها الشروط المصاحبة لخلقه ) والتى يقضى بها " الله " ( I ) للإنسان لتحقيق الغايات الذى خلق من أجلها .. فهذا هو حال الإختيار الإلهى للأنبياء .. لهذا كان قوله تعالى عنهم وعن حوارييهم ..
) لِقَدْ كَانَ لَكُم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّـهَ هُوَ الغَنِىُّ الْحَمِيدُ (6) (
( القرآن المجيد : الممتحنة {60} : 6 )
فليس من المنطقى أن يرسل المولى ( U ) أفَّاقا أو زانٍ أو قاتل أو خائن ليكون القدوة الأخلاقية للبشرية ، كما هو الحال فى الديانتين اليهودية والمسيحية [21] ..!!! كما وأنه ليس من المنطقى أن يرسل الله ( I ) للبشرية ملاكا ، وإلا فقد الإتصال معناه من جانب ، كما يفقد الإنسان القدوة ـ فى الإتباع السابق الإشارة إليه ـ من ذات النوع من جانب آخر . ولـهذا كان قوله تعالى عن رسوله ( أو عن أى رسول ) للبشرية :
) وَلَوْ جَعَلْنـَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنـَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَّا يَلْبِسُونَ (9) (
( القرآن المجيد : الأنعام {6} : 9 )
وهكذا سوف يرى الإنسان أن هذا الرسول رجلا عاديا حتى وإن كان ملكا [22] .
وبديهى لكى يقطع " المولى " ( U ) منتدى الأنبياء والرسل عن الأدعياء والمخادعين والمرضى ( عقليا ونفسيا ) والمزورين .. إلى آخره من هذه الصفات ..
تأتى رابع هذه الشروط .. وهى تزويد المولى ( U ) ، أو امداد النبى أو الرسول بالبيّنات اللازمة ( أى بالمعجزات وموضوعاتها تقع برمتها خارج نطاق الرسالة ذاتها ) ، والحجج الكافية للبرهنة على مثل هذه الوساطة الحادثة بينه وبين أنبيائه ورسله ، ولهذا يجىء بيانه هذا للبشرية فى قوله تعالى :
) لَقَدْ أرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ … (25) (
( القرآن المجيد : الحديد {57} : 25 )
والبيّنات ـ قد ـ لا تعنى الرسالة [23] ، بينما " الكتاب " هو الرسالة . وهكذا عندما يرسل " الله " ( I ) رسولا فإنه يؤيده ) .. بِالبَيِّنَاتِ .. ( اللازمة كدليل صدق على الرسالة ، وعلى الوساطة الحادثة بينه ( U ) وبين البشرية . كما يرسل معه ) .. الكِتَابَ .. ( وهو المنهاج الإلهي المراد تبليغه للبشرية لبيان مراده فيما يبغيه ـ الله ـ ويريده من مخلوقاته ، فالبينة ليست غاية فى حد ذاتها ، ولكنها وسيلة لبيان صدق الغاية .. أى الرسالة . ثم يزود ـ الله ـ الإنسان بعد هذا بـ) .. المِيزَانَ .. ( أى بوسيلة القياس الدقيقة واللازمة من منطق وعلم وتجربة .. حتى يستطيع الإنسان التحقق من صدق الرسول وصدق الرسالة معا .. فيجب التنبه إلى أنها غايات من الخلق ..
وتتماثل الشروط السابقة فى كل رسالة .. ولكل رسول .. حتى يأتى قوله تعالى لرسوله الكريم فى آخر الرسالات ..
) مَّا يُـقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبـَّكَ لَذُو مَغْفِرَةً وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43) (
( القرآن المجيد : فصلت {41} : 43 )
أى هى رسالة واحدة .. وليست رسالات ..!!! أى هو إله واحد .. وليست آلهة ..!!! أى هو دين واحد .. وليست أديان [24] ..!!! أى هى حقيقة مطلقة واحدة .. وليست حقائق ..!!! ويعرض الإنسان ، فيما يعرض ، عن الحقيقة المطلقة ..!!! ذلك الإنسان الذى يستهويه الغموض .. ويستعذب أن تكون الحياة لديه لغزا أبديا لا يستطيع حله ..!!! وبهذا لن يجنى .. إلا ما يجنى .. ولن يجنى إلا العذاب والحسرة ..!!! ولن يخسر .. إلا ما يـخسر .. ولن يـخسر إلا ذاته ونفسه .. ولن يـخسر إلا حاضره ومستقبله ومصيره معا ..!!!
كما إنتهينا أيضا فى الكتاب السابق ـ الحقيقة المطلقة .. ـ بالبرهان القاطع ، وبما لا يدع مجالا لأى شك ، إلى وثنية الفكر الدينى للديانتين اليهودية والمسيحية على نحو مطلق وأسطوريتهما معا [25] . فكما رأينا ؛ إذا ما إعتبرنا أن " الكتاب المقدس " كله موحى من السماء ، كما يعتقد فيه أهله ، وإذا ما إفترضنا أن " الكتاب المقدس " يخلو من أى تحريفات أو صياغات بشرية ، فيكون معنى هذا أن الوحى الإلهى القادم من السماء ، لم يأت للإنسان ( فى الديانتين اليهودية والمسيحية معا ) إلا بالخرافات فى " الدين " ، والفحش فى " الأخلاق " ، والأساطير فى " الفكر الإلهى " ، والتردى والهبوط فى " النص الكتابى " . فلم تأت الديانتين اليهودية والمسيحية إلا بفكر مترد وهابط عن الأنبياء ، كما لم تأت إلا بفكر وثنى وأسطورى عن الإله ، كما لم تأت إلا بنصوص لا يمكن أن تندرج إلا تحت كل ما هو هابط وقبيح فى الأخلاق واللغة معا .
وهكذا ؛ خلفت هذه التجربة الدينية الفاشلة ( مع تلك الديانتين : اليهودية والمسيحية ) ـ كما رأينا ـ إنسان تملؤه الريبة والشك فى وجود الله والدين من جانب ، كما تملأ نفسه التردد والحذر من الإقتراب من الأديان بصفة عامة من جانب آخر. وليس هذا فحسب ، بل خلفت تلك التجربة أيضا ، إنسانا فاقد الثقة فى مبدأ الوحى الإلهى القادم من السماء على نحو مطلق . وقد إنسحبت نتائج التجربة الفاشلة مع الديانتين اليهودية والمسيحية على رفض الإنسان المسبق للديانة الإسلامية بدون أى سند أو برهان علمى أو دراسة كافية يستطيع الإعتماد عليها فيما إنتهى إليه من قرار .
وبديهى وهذا هو حال الإنسان وتجربته الدينية الفاشلة مع اليهودية والمسيحية ، وحال تجربته الدينية السماوية كما يعتقد فيها ، وحال قراره بقطع صلته ـ بدون وعى وبـدون تروى ـ بالدين الحقيقى ، فغير متوقع من هذه التجربة إلا أن تنتج إنسانا يشعر بالوحشة والإغتراب ( Alienation ) فى هذا الكون .. من جهة ، كما لم يعد لديه إلا الإعتماد على نفسه فى البحث عن الله ( الذى يدرك وجوده بالفطرة ) .. من جهة أخرى ..!!! وبهذا المعنى لم يعد للإنسان سوى اللجوء إلى الفلسفات الوضعية التى جاء بها الفكر البشرى ليتدين بها . أو بمعنى آخر ، لم يعد للإنسان سوى البحث عن دين وضعى ـ بدون وعى ـ فى قالب فلسفات فكرية من وضع البشر . وعلى الرغم من أن الإنسان الآن متنكر ـ ظاهريا ـ للدين ، فى جميع صوره ، إلا أن الواقع يؤكد أنه مازال متدينا بصوره ما أو بأخرى بأحد الديانات المقنعة ، التى تأخذ صورة أحد النظم الوضعية [26] .
وقد رأينا فى المرجع السابق ؛ أن جميع الفلسفات منذ بدء الحضارة البشرية وحتى الفلسفات المعاصرة لم تؤد بالإنسان إلى فكر يذكر عن معنى الإنسان أو عن معنى الدين ، بإستثناء ما هو مدرك بالفطرة فحسب . ونقصد بالفطرة هنا .. ما هو موجود أو مركب فى داخل الفكر البشرى بالميلاد ( By Default ) .. من إدراك لوجود الله ( U ) فحسب ، كما تشير الفطرة إلى ما ينبغى أن يتميز به الله ( I ) من كمالات مطلقة ومتعالية ، كما وإنه ـ أى الله ـ يجب أن يكون مصدر لهذا الوجود ، ومصدر لحياة الإنسان وخلوده . ومن الفطرة أيضا ، أن يؤدى الإنسان العبادة على أى نحو وبأى شكل إلى : " كائن أعلى " لا تحديدية فيه .
أما التفاصيل الأخرى الخاصة بهوية الخالق وصفاته ، والخاصة بفعله الإلهى المطلق ، ومفهوم العبادة الحقة ، وكذا المقاصد الإلهية الخاصة بالإجابـة على تساؤلات أخرى مثل : لماذا الوجود ؟ ولماذا الإنسان ؟ .. وما هى الغايات من الخلق والدوافع المصاحبة ؟ .. وهل الوجود مقصورا علينا نحن بنى البشر .. أم يوجد وجود آخر لعوالم أخرى فى أكوان مختلفة عن كوننا هذا ؟ .. وهل وجود هذه العوالم يخضع لنفس شروط ومنطق عالمنا ؟ .. فكل هذه التساؤلات لا يمكن أن يقود إليها فكر بشرى محض ، حيث أن الإجابة على مثل هذا النوع من التساؤلات ـ وما شابهها ـ منـوطة بالفكر الإلهى ذاته ، أى الفكر الخالق لنا ولهذا الوجود .
فالإنسان بتركيبته الحالية لا يملك من الفكر الكافي أو من الوسائل العلمية المتاحة ما تمكنه من الإجابة على مثل هذه التساؤلات . وحتى وإن استطاع أن يضع إجابات ما .. فإن هذا يستلزم القفزة المعرفية التى تتمثل فى الإلهام الإلهى أو الوحى الإلهى المباشر [27] للإنسان ، وهو ما يعنى عدم استقلالية المعرفة البشرية بشكل مباشر عن العطاء الإلهى المعلن فى صورة " الديانة الحقة " .
وبينما نجد أن الله ( I ) لم يركب وسيلة الإدراك للإجابة على مثل هذه التساؤلات السابقة بشكل فطرى فى داخل الفكر البشرى ، إلا أن الله ( I ) قد ركب القدرة العقلية للإنسان ، ومنحه من العلم ، ما يكفى للحكم على صحة وصدق الإجابات الخاصة بمثل هذه التساؤلات عند إخباره بها . وبهذا المعنى يصبح : " وجود الغايات من خلق الإنسان " هو منظور لـ : " لغز الوجود " ، ويصبح الإخبار بهذه الغايات هو " الحل لهذا اللغز " ، كما يصبح التحقق من صحة هذا الحل هو اختبار الإنسان فى هذه الحياة .
وهكذا يحصر المولى ( U ) دور الإنسان فقط ، فى إخباره وإختباره ، فى هذه الحياة الدنيا ، فى التحقق من صحة هذه الإجابات . ولم يكتف المولى ( U ) بهذا ، بل قام بمساعدة الإنسان على التحقق من صدق هذه الإجابات أيضا . وهكذا تختزل " الديانة الإسلامية " الوجود وغاياته في مجرد : " مثال ـ واحد ـ محلول " .. هو .. " الدين وغاياته " . كما تختصر دور الإنسان ـ فقط ـ وتحصره فى فهم هذا المثال الواحد ، بل وتقوم الديانة ـ أيضا ـ بشرح هذا المثال للإنسان بشتى الطرق والوسائل العلمية المتاحة لتساعده على فهمه واستيعابه ...!!!
) يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُخَفِّفُ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (28) (
( القرآن المجيد : النساء {4} : 28 )
فهى بساطة ما بعدها بساطة ..!!!
وهكذا يصبح الدين ـ تحديد الغايات والمقاصد الإلهية ـ ضرورة تحتمها الغايات من وجود وخلق الإنسان لاستكمال سيناريو أحـداث الوجود كما حدده الله ( I ) سلفا ومن قبل . وليس للإنسان ـ ذلك المخلوق ـ إلا المراقبة والفهم ثم القيام بالحكم ، وجميعها فى حدود التأهيل العقلى للإنسان . وقد رأينا ـ فى كتاب الحقيقة المطلقة .. ـ أن الفلسفات المختلفة منذ نشأة الحضارة البشرية ، لم تؤد بالإنسان إلى شىء له قيمته حول فهم هذه المعانى ، كما لم تقد الإنسان إلا ببعض البراهين الخاصة للتدليل على وجود الله فحسب ، وعلى النحو القاصر الذى سبق ذكره فى الفصل الثانى من كتاب الحقيقة المطلقة ..
وليس هناك أى تجاوز فكرى ؛ إذا قلنا بأن الحضارات الأولى قد نشأت أول ما نشأت بدوافع دينية محضة [28] . كما وأنها كانت حضارات ذات طابع دينى محض . فجميع ما نرى الآن من آثار الحضارات القديمة ، تدور كلها فى فلك : فكر وجود الخالق ، وفكر خلود الإنسان وأمله فى حياة خالدة فيما بعد أو فيما وراء الموت . وليس هذا مقصورا على الحضارات القديمة فحسب ، بل وما زالت ـ وسوف تزال ـ تلك القضايا تمثل محور فكر واهتمام الإنسان حتى بعد أن أخذت الحضارة الحالية الطابع المادى الذى لم يعد له أى إهتمام إلا إشباع رغبات الإنسان المادية والحسية فقط .
) … بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيـُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أنـَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (
( القرآن المجيد : إبراهيم {14} : 52 )
والآن ؛ إننا نقف جميعا على مشارف هذه الحياة ..!!! بديهى ؛ لأننا لا نملك من القوانين أو القواعد ما يمكننا أن نعول عليها لضمان حسن البقاء ، أو حتى سوء البقاء فى أى لحظة من اللحظات ، عند تحقيق شروط بعينها . وبديهى والحال كهذا ؛ يصبح الرحيل اللحظى هو كتاب الإنسان وقدره وملحمته ..!!! وهنا يصبح من المحتم علينا ـ ذلك الكائن المتهاوى ـ ضرورة معرفة الأسباب من وراء وجوده .. والغايات من خلقه .
إننا نتقاسم ـ جميعا ـ هذا الوجود .. وكانت الأمانى .. وكانت رحلة العلم فى الوعر أملا فى حل هذا اللغز ، لغز الحياة .. ولغز الموت .. والغايات من الخلق ..!!! وكان العطاء .. عطاء الله ( U ) .. لتأتى الخاتمة ، وكان لابد من الوقفة الصادقة مع النفس .. والمصارحة إلى الأقصى مع الآخرين .. إحساسا بالمسئولية منذ اللحظات الأولى لبداية الرحلة .. وكان هذا الكتاب . وإستكمالا لما بُدِأ ـ فى الكتاب السابق / الحقيقة المطلقة .. ـ يتحرك الكاتب فى إطار " البرهنة المطلقة " على وجود " التنزيل الإلهى الحق " الذى لا يحتمل الشك أو الخطأ . وهو تحرك علمى بحت ، يحوى فى طياته " الفكر البشرى " برمته ، كما يحوى فى طياته أيضا " بانوراما الوجود " و" نهاية التاريخ " . لينتهى ـ الكاتب ـ من هذا التحرك إلى قصور الفكر البشرى ـ بمعزل عن الدين الحق ـ في تحسس الطريق إلى معنى الدين والغايات من الخلق . بل وعجز وحدود الفكر البشرى ـ أيضا ـ فى تقديم أى منظور لتبرير وجود الإنسان فى هذه الحياة ، فما بال هذا الفكر عند تناوله لقضايا فيما وراء الموت ...!!!
والكتاب يعيد تصحيح المفاهيم الإنسانية المعتادة عن الفكر الدينى الصحيح ، كما يضع الإنسان فى مكانه الصحيح فى داخل بانوراما الوجود . وهو بهذا يعيد صياغة دور الدين فى حياة الإنسان ، كما يحدد الغايات من خلق الإنسان على نحو يكاد يكون تجريبى وحسى . ولهذا ؛ فإن هذا الكتاب ليس بكتاب أدب ، أو كتاب فلسفة بل هو كتاب علم فى أبعد وأشمل معانيه ، كما لن يحوى أى غيبيات مطلقة تعتمد على السرد الخيالى ، بل أن الغيب فيه له جذوره الممتدة إلى أرض الواقع الذى يمثل دليل الصدق عليه . وتجرى فصول هذا الكتاب على النسق التالى :
الفصل الأول : " المدخل إلى الأكوان الموازية .. وما معنا يكفى " ؛ وفيه تم التعرض إلى فكر " المدخل إلى الأكوان الموازية " بـ " تجارب أو خبرات القرب من الموت " ، لنرى فيها الإتصالية قائمة بين هذه الحياة وبين حياة فيما وراء الموت . فالموت لا يعنى ـ فى حقيقة أمره ـ أكثر من انتقال الإنسان من كون إلى أكوان أخرى موازية .. وبهذا لا يزيد معناه عن الدخول فى أبعاد أخرى ( قد تكون نهائية أو لانهائية ) تحكمها قوانين فيزيائية مغايره ، إن جاز لنا استخدام هذه الألفاظ التى توحى بتناظر المعانى . فالموت هو حدث يشمل ـ فقط ـ تغير المناظر فى فاصل التنقل بين فصول المسرحية الواحدة .. فهو يسدل الستار على أحداث فصل سابق .. ليرفع الستار عن أحداث فصل تالى ..!!! وقد تم التعرض لهذه المعانى بتفصيل وبراهين محددة ، كما ناقش ـ هذا الفصل ـ التفاصيل المناظرة التى وردت فى القرآن المجيد ، والبراهين الدالة على صحتها .
وبديهى لن يناقش هذا الفصل كل القضايا العلمية الوارد ذكرها فى القرآن المجيد ، وإلا أصبح هذا الفصل وحده بمثابة موسوعة علمية يصعب حصرها حتى فى عدة مجلدات ضخمة . ولكن اقتصر هذا الفصل على تناول بعض القضايا العلمية الشمولية فقط بالتحليل ، والتى لم تتعرض لها كتب سابقة إلا فى أضيق الحدود وبشكل مغاير عما تم تقديمه هنا فى هذا الكتاب ، وإن كان فيه ـ فى أحيان قليلة جدا ـ بعض الإعادة . وقد نوقشت مثل هذه القضايا من منظور المنهاج العلمى/الدينى الذى يتبناه الكاتب ـ بشكل نمطى ومنظم ـ للبرهنة على صحة الديانة الإسلامية ، وصدق مضامينها . وبديهى لابد وأن ينتهى هذا الفصل بالإجابة على التساؤل الذى يقول : ومـاذا يعنى ـ لنا ـ إحتواء النص الدينى للقضايا الكونية والقضايا العلمية المعاصرة ..؟!
أما الفصل التاسع ، فهو يأتى تحت عنوان : " كلمة موجزة عن : الهندسة الوراثية ، وأطفال الأنابيب ، والإستنساخ ، وأحكامها كما جاء بها القرآن المجيد " . وهو عنوان مستفيض فيه ما يغنى عن المزيد من الإيضاح أو التفصيل . ويعتقد الكاتب أن أغلب ما جاء فى هذا الفصل لم يسبق مناقشته من قبل فى شكل مكتوب .
أما عن العلم فى هذا الكتاب فقد نثر على طول صفحات الكتاب ، إما بشكل مباشر فى سياق الكتابة العادى ، أو بشكل غير مباشر فى التذييلات المختلفة . هذا وقد تم تقديم العلم ـ في إيجاز ـ على نحو يكاد يكون كاملا وشاملا ، وهو ما فرض على الكاتب الإقتصار على صياغة الأفكار الحاكمة والأساسية له فحسب ، وليس فى هذا قصورا لأن فى التفصيل إضافة لا ضرورة لها فى خدمة الغرض النهائى للكتاب .
ثم يحوى الكتاب بعد ذلك ثلاثة ملاحق ضرورية وأساسية ...
الملحق الأول منها يأتى تحت عنوان : " إسم الجلالة " الله " ... وهل المسيحية لا تعرف لإلاهها اسما ؟ " [31] ، وهو ملحق أساسى وحيوى للقارىء ـ المدقق ـ لاستكمال الترابط الفكرى بين مفردات الفصول المختلفة من جانب ، ولتعميم فكر الكتاب ليتعدى المنظور المحلى للقارىء الشرقى ، ليشمل القارىء الغربى غير المعترف بالديانة الإسلامية من جانب آخر .
وتأتى أهمية هذا الملحق من أن الغرب لا يستخدم لفظ الجلالة " الله " فى كتابه المقدس ، ويستخدم بدلا منه لفظ " God " فى المقابل ، بينما تستخدم الكنيسة الأورثوذكسية الشرقية لفظ الجلالة " الله " فى نفس الكتاب المقدس . فإذا كان الكتاب المقدس ـ فى جميع اللغات ـ مترجم عن أصول واحدة ( العبرانية والكلدانية واليونانية ) .. فكان ينبغى أن يظهر لفظ الجلالة " الله : Allah " بنفس نطقه ، وليس بالترجمة إلى كلمة " God " .. وبديهى فى هذا تناقض ..!!! ويعتبر هذا الملحق بحث علمى أكاديمى ـ إلى حد بعيد ـ سوف يتبين منه القارىء أن " الديانة المسيحية " لا تـعرف لـ " إلهـها " ، أو " شخصيتها الدينية الأولى " إسما ..!!! ولهذا قامت " الكنيسة الأورثوذكسية الشرقية " باستعارة هذا اللفظ ( أى لفظ الجلالة : الله ) من الديانة الإسلامية للدلالة على " شخصيتها الدينية الأولى " عند ترجمة كتابها المقدس إلى اللغة العربية ، بينما لا يظهر هذا الإسم فى الكتب المقدسة الأخرى المترجمة عن نفس الأصول إلى اللغات الأخرى . لهذا نجد أن " الكنائس المسيحية الغربية " لا تستخدم لفظ الجلالة " الله " فحسب ، بل لا تحتمل حتى مجرد سماعه أيضا ..!!! وذلك من واقع تجربة مباشرة عاشها الكاتب مع مدارس التبشير المختلفة على مدى ما يقرب من خمس سنوات متصلة .. فى أثناء إقامته بالولايات المتحدة الأمريكية ..!!!
كما ترجع أهمية هذا الملحق ـ أيضا ـ إلى تنبيه الغرب إلى ضرورة إعادة ضبط مفاهيمه نحو هذا الإسم ، أى نحو لفظ الجلالة " الله " ، من منطلقين : الأول منهما ؛ هو التأكيد على أن الديانة المسيحية لا تعرف لإلهها اسما ، وعليه أن يقبل بالإسم الذى تقدمه له الكنيسة الأورثوذكسية الشرقية ـ أى الله ( U ) ـ ولو بصفة مؤقته .. حتى يتبين له أنه الحق ..!!! أما المنطلق الثانى فهو تأهيل القارىء الغربى لاستخدام هـذا الإسم ـ أى الله ( U ) ـ بدون حساسيات خاصة واعتياد سماعه . فربما كان هذا تمهيدا كافيا للغرب للقيام بعمل دراسة محايدة ـ ومخلصة ـ عن الديانة الإسلامية ، لما فى ذلك من أهمية خاصة بالنسبة لنجاته هو ، أى نجاة الغرب نفسه وخلاصه ، وليس نجاة الآخرين وخلاصهم ..!!!
) قُلْ مَا سَألْتـُكُمْ مِّنْ أجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ … (47) (
( القرآن المجيد : سبأ {34} : 46 - 47 )
أما الملحق الثانى ، فهو يأتى تحت عنوان : " محاولات عبثية " .. وهو مناقشة موضوعية للرد على مفتريات بعض المغرضين فى الإستشهاد بـ " القرآن المجيد " للتدليل على صحة " الكتاب المقدس " ، وكيفية تناول مثل هذه الموضوعات من جانب المفكرين المسيحيين ، هذا بفرض حسن النوايا ( وهو ما يعنى جهل الباحث ) . أما إذا أخذ فى الإعتبار سوء النوايا ( أى بافتراض علم الباحث ) ، فإن مثل هذه المحاولات لا تمثل سوى الجهد المبذول ـ عن علم ـ من جانب الإنسان لقيامه بتحريف الدين الإلهى الحق ..!!! كما يتناول هذا الملحق أساليب الإسرائيليات والموضوعات وكيفية دسها فى كتب التفسير والسيرة لمحاولة النيل من الإسلام وضربه من الداخل ، كما ناقش هذا الملحق أيضا ، الفكر العلمانى المناظر لهذه الإسرائيليات .
وأخيرا ؛ يأتى " الملحق الثالث " ليعرض للمرأة فى الإسلام .. الحقوق .. الطلاق .. وتعدد الزوجات .. ولماذا شرّع هذا المبدأ وأشكال تطبيقه .. مع عرض بعض المواقف المناظرة للمرأة فى الديانة المسيحية من واقع نصوص الكتاب المقدس ..!!! والكاتب يرى أن هذا الملحق ليس ضروريا فقط ، بل هو حتمى أيضا بالنسبة للمرأة الغربية وغير الغربية ، لترى ـ المرأة ـ إلى أى مدى قد " دَلـَّل الإسلام المرأة المسلمة " وأعلى من قدرها ، وأعطاها من الحقوق مالا يمكن أن تحلم به .. حتى فى نهاية التاريخ ..!!!
ويبقى لى أن أشير إلى أن أزلية النص القرآنى يسمح بتكرارية " الآيات " لاختلاف المعنى والمنظور عند عرض القضايا المختلفة ، وهو الشىء الذى لم استطع تلافيه فى هذا الكتاب إلا بصعوبة بالغة .. حتى أتمكن من عرض الموضوعات بتكاملية منفصلة .. وحتى يمكن للقارىء أن يحتمل قراءة هذا الكتاب بدون عناء . وأخيرا أضيف أن صعوبة الموضوع وتكامليته قد فرضا زيادة عدد صفحات الكتاب [32] ، وهو الأمر الذى أفزعنى كما أفزع الناشرين وأبعدهم عنه ، واقترح بعضهم ـ من المنظور التجارى ـ إصدار الكتاب فى أكثر من جزء ، ولكن الكاتب فضل أن يصدر الكتاب فى جزء واحد فقط ، حتى يجد القارىء المدقق والقارىء المتخصص فيه بغيتهم المنشودة . أما القارىء العادى فيستطيع تلافى القراءة الكلية ، ويكتفى بقراءة ما يستهويه فقط من أجزاء . فهو كتاب لم يبغى منه الكاتب سوى الإنتهاء إلى الحقيقة المطلقة الذى بدأ البحث عنها فى مرجعه السابق : الحقيقة المطلقة .. ، وانتهى إليها ـ بشكل قاطع وكامل ووجوبى ـ فى هذا الكتاب .
****************
وأخيرا ؛ لقد تراقص الدمع فى العيون .. وترنم الجسد بالتسبيح .. على قيثارة الوجود .. وازدحم الفكر بالمعانى .. وناء العقل بحمل كل هذا العبء .. فأصبح كالعاجز الذى تصرخ به الأعماق برؤية لا يستطيع التعبير عنها .. عاجز أشفق على نفسه .. وأشفق على الآخرين .. فذهب يبحث ما استطاع .. يبحث جاهدا .. ليقدم ما يقدم .. فلم يستطع أن يضع إلا ما وضع .. وأن يكتب إلا ما كتب .. وما هو إلا بالقليل .. وما هو فى النهاية إلا تعبير قاصر عن محيط زاخر بالمعرفه .. أريد به العون .. عون الآخرين ..!!! أريد به عون .. ذلك الإنسان الذى يستهويه الغموض .. ويستعذب أن تكون الحياة لديه لغزا أبديا لا يستطيع حله ..!!! لعله يصادف من يحسن الرؤية .. ويحسن التعبير .. ويحسن قيادة الآخرين إلى الحقيقة المطلقة .. تلك الحقيقة .. التى ما زال الإنسان لا يعتقد فى وجودها .. على الرغم من أنها أبين ما فى الوجود .. بل هى أبين من ذات الإنسان ..!!! رفعت الأقلام .. وجفت الصحف ..!!!
P
) أفَمَنْ أسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ الله وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ والله لاَ يَهْدِى القَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِى بَنُوا رِيبَةً فِى قُلُوبُهُمْ إلَّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)(
( القرآن المجيد : التوبة {9} : 109 - 110 )
w
[ البنيان : بالمعنى الأزلى للنص هو أى نظام فكرى أو فلسفى أو إجتماعى يقول به أو يدّع به الإنسان على نحو ما أو آخر . ( أما المعنى بمناسبة التنزيل فالبنيان هو المسجد الذى حرض فيه ابن عامر الراهب المنافقين لبنائه بالمدينة لتكون العصبية لجاهلية موضوعها التفاخر بالمساجد ) / على شفا : على حرف أو حافة / جرف : من الآبار التى لم يبن له جوانب / هار : هائر بمعنى قابل للإنهيار / ريبة : شك / تقطع : تتمزق وتتفرق ، أو انقطعت عما قبله من أفكار خاطئة ]
****************
هوامش تعريف الكتاب :
[1] " المجمع المسكونى للفاتيكان الثانى " ، هو أكبر مجمع " مسكونى : ecumenical " ( أى عام ) فى التاريخ ، وتم التحضير له على مدى ثلاث سنوات قبل أن يبدأ أولى جلساته فى 12 أكتوبر سنة 1962 ، والتى حضرها حوالى 2500 مشارك . وتكررت الجلسات على مدى أربع سنوات ؛ وانتهى بالجلسة الختامية فى 14 سبتمبر 1965 ، بأصدار 16 وثيقة . وقد أشار فى إحداها ( الوثيقة المسكونية الرابعة عن التنزيل ) " إلى وجود شوائب وبطلان فى بعض نصوص الكتاب المقدس . وقد أصاب الضيق الأوساط المسيحية لهذا التصريح الذى يمس التنزيل لديهم ، إلى درجة أن هذه الوثيقة قد صيغت خمس مرات حتى يتفق الجميع على النص النهائى لها ، وذلك بعد ثلاثة سنوات من المناقشات وحتى " ينتهى هذا الوضع الأليم الـذى هدد بتوريط المجمع " على حد تعبير الأسقف فيبر ( Weber ) . وقد جاء فى مقدمة هذه الوثيقة ، عن العهد القديم ( الفصل الرابع ، ص : 53 ) ما يلى :
" بالنظر إلى الوضع الإنسانى السابق على الخلاص الذى وضعه السيد المسيح ، فإن أسفار العهد القديم تسمح للكل بمعرفة الله ومن هو الإنسان بما لا يقل عن معرفة الطريقة التى يتصرف بها الله فى عدله ورحمته مع الإنسان غير أن هذه الكتب تحتوى على شوائب وشىء من البطلان ، ومع ذلك ففيها شهادة عن تعليم إلهى " .
[2] تشير الوثائق الأولى للحوار إلى أنه وسيلة مخفية للتبشير . وقد أوضح الدكتور " هالكروتز " العالم اللاهوتى النرويجى فى دراسة مفصلة : أن الحوار هو التطوير الثانى لحركة التبشير المسيحى .
[3] أنظر الملحق الأول من هذا الكتاب .
[4] هى : الزرادشتية ، الجينية ، الشنتوية ، البوذية ، الكونفوشية ، الهندوسية ، السيخية ، اليهودية ، المسيحية ، الإسلام ، والبهائية . أنظر الفصل الخامس من هذا الكتاب ، لرؤية بانوراما الأديان وطبيعتها من التاريخ القديم وحتى الوقت الحاضر .
[5] " الأصولية والعلمانية " د. مراد وهبه . دار الثقافة . ص : 12 .
[6] " الحقيقة المطلقة ... الله والدين والإنسان " ، لنفس مؤلف هذا الكتاب .
[7] تم اتباع " الرسم الإملائى " لكلمات القرآن المجيد ـ على طول هذا الكتاب ـ كما ورد فى : " مصحف الشروق ـ مختصر تفسير الامام الطبرى " .
[8] أحد صور التعصب الدينى وبطش الكنيسة الدموى بكل من يخالفها فى الرأى ، يمكن أن نراه فى النص المقدس التالى الذى تقول به مسيحية المحبة ...
[ (27) أما أعدائى أولَئِكَ الذين لم يريدوا أن أمْلِكَ عَلَيهِمْ فأتوا بهم إلى هُنا واذبحوهُم قدَّامِى ]
( الكتاب المقدس : لوقا { 19 } : 27 )
" أما أعدائى .. " يعنى ـ من منظور الديانة المسيحية ـ أعداء السيد المسيح ( u ) ، و " أمْلك عليهم ... " أى أن أكون ملكا عليهم . أما الأعداء فهم أى شعب لا يقبل بأن يكون السيد المسيح ملكا عليهم ، أو بمعنى أكثر تخصيصا هو أى شعب لا يرتضى فكرهم بأن يكون عيسى إلها لهم ، أو لا يرتضى فكرهم قبول العقيدة المسيحية ..!!! . فيقول السيد المسيح لأتباعه .. " فأتوا بهم .. " ، أى بهؤلاء ، أو بهذا الشعب الذى لا يرتضى بهذا التتويج أو بهذا المنهاج " .. وإذبحوهم قدامى .. " أو " تحت قدمى " فى تراجم أخرى . وبديهى إن لم يكن السيد المسيح موجودا بالكيان الفيزيائى له وقت ذبح الأعداء ، فلا بأس من أن يتم الذبح أمام أى رمز أو وثن يشير إليه ( أنظر كذلك تذييل رقم 29 من الفصل الثانى ، والفصل الرابع والخامس من هذا الكتاب ) . ولمزيد من النصوص ، ولرؤية إلى أى مدى ذهب التعصب الدموى وبطش الكنيسة بكل من خالفها فى الرأى أنظر كتاب : " الحقيقة المطلقة ... الله والدين والإنسان " ، لنفس مؤلف هذا الكتاب .
[9] " الزمان والأزل : مقال فى فلسفة الدين " ، ولتر ستيس ( Walter T. Stace ) أستاذ الفلسفة بجامعة برنستون ، ترجمة د. زكريا ابراهيم ، المؤسسة الوطنية للطباعة والنشر ، بيروت ، ص : 295 .
[10] أنظر الفصل السادس من هذا الكتاب : " بند : العقلنة الدينية " .
[11] " الحقيقة المطلقة ... الله والدين والإنسان " ؛ لنفس مؤلف هذا الكتاب .
[12] يمكن أن يعرّف " الخلاص " ـ هنا ـ بأنه نيل السعادة الأبدية كناتج طبيعى من تحقيق الإنسان لقوانين الغايات من الخلق ، أى الغايات التى خلق الإنسان من أجل تحقيقها ، وهو ما سوف نناقشه بالتفصيل فى الفصل السادس من هذا الكتاب ، بإذن الله تعالى .
[13] " الشخص الدوجماتيقى : The Dogmatic person " : هو الشخص المتوهم لامتلاك الحقيقة المطلقة بدون أى سند أو برهان علمى ، أو هو الشخص الذى يؤمن ـ بعقيدته ـ بشكل أعمى ومتعصب ، بدون أى سند أو براهين دالة على صحتها .
[14] يمكن رؤية تفاصيل هذا السرد السابق فى كتاب : " الحقيقة المطلقة ... الله والدين والإنسان " ، لنفس مؤلف هذا الكتاب .
[15] جيوردانو برونو Jiordano Bruno ( 1548 ؟ - 1600 ) راهب وفيلسوف ايطالى ، ينتسب إلى الرهبنة الدومينيكانية ؛ وهى الرهبنة التى أسسها القديس دومينيك عام 1215 ، ويلقب المنخرطون فيها باسم " الأخوة الوعاظ " . وقد بدأت نشاطها أول ما بدأته فى مدينة تولوز بفرنسا ، وهى أول رهبنة كاثوليكية أخذت على عاتقها التبشير بالعقيدة المسيحية . وقد تميز الدومينيكانيون الأولون بثقافة تخطت اللاهوت ، وإلى محاولة للتوفيق بين اللاهوت والفلسفة . ولكن كانت دعوتهم تتميز بالتعصب الدينى ، حيث قاموا بدور إيجابى فى تشكيل أعضاء محاكـم التفتيش ، وهى المحاكم التى قضت بإعدام وسجن وتعذيب المخالفين لرأى الكنيسة . وعندما غزا نابليون أسبانيا عام 1808 ، اعتصم القساوسة الدمينيكان بديرهم فى مدريد ، وعندما اقتحمه نابليون عنوة أنكر الدومينيكانيون وجود أى حجرات للتعذيب ، ولكن عند البحث والتنقيب وجدها جنود نابليون تحت الأرض مليئة بالمساجين وكلهم عرايا وكثير منهم معتوه . ورغم أن القوات الفرنسية لم تكن تتميز برقة الشعور إلا أن هذا المنظر قد أثار شعور الجنود ، فأخرجوا المساجين وفجروا الدير بأكمله .
[16] أنظر تفاصيل " المعانى الكونية " لهذه الآية الكريمة فى الفصل الثامن من هذا الكتاب .
[17] " الحقيقة المطلقة : الله والدين والإنسان " ؛ لنفس مؤلف هذا الكتاب . يطلب من مكتبة وهبة .
[18] بهذه المفاهيم .. وبهذا الفكر .. وبهذا التعريف .. تخرج جميع الأديان من على الساحة الفكرية للإنسان ، ولا يبقى ـ بهذه المعانى ـ غير الإسلام الشامخ . وليس هذا فرضية بدون برهان نطلقها من أول صفحات هذا الكتاب ، ولكن هى نتيجة مستخلصة من الكتاب السابق ، كما يمكن إعتبارها ـ لمن لم يقرأ الكتاب السابق ـ مسلمة جديدة سوف نقيم الدليل ( أو البرهان ) على صحتها ـ مرة أخرى ـ على صفحات هذا الكتاب ... إن شاء الله .
[19] أنظر الفصل السادس من هذا الكتاب .
[20] تم التعرض باستفاضة لمعانى هذه الآيات السابقة فى " الحقيقة المطلقة : الله والدين والإنسان " ؛ لنفس مؤلف هذا الكتاب .
[21] أنظر تفاصيل هذه المعانى فى : " الحقيقة المطلقة ... الله والدين والإنسان " ، لنفس مؤلف هذا الكتاب ، لرؤية إلى أى مدى يتردى الإنبياء والرسل فى الديانتين اليهودية والمسيحية إلى أحط اللاأخلاقيات واللامثل .
[22] يعرف هذا الفكر فى مجال الرياضيات (Mathematics In) بإسم " المتغير الزائف : The Dummy Variable " ، وهو المتغير الذى يمكن أن يغير من شكله الظاهرى فقط على حسب موقعه من المعادلات الرياضية ، بينما يظل معناه ثابت ووظيفته لامتغيره بغض النظر عن هذا الشكل الظاهرى له . والمعنى المناظر ـ هنا ـ هو أن الملاك سوف يبدو رجلا عاديا ، ولكنه ـ فى الواقع ـ سوف يكون رجلا زائفا وليس رجلا حقيقيا ؛ ولكنه يجب أن يكون هكذا حتى يتحقق الإتصال بين الناس وبينه . وهذا النوع من المنطق الرياضى لم يتم فهم معناه بدقة كافية إلا حديثا جدا ومع تطور العلوم الرياضية فى مجال : الـ ( Tensor Calculus ) . ولا يأتى هذا النوع من الفكر ـ الرياضى ـ إلا فى النظريات التعميمية الكبرى ، وفيها يعمم مفهوم المتغيرات لتشمل أبعاد غير مقيدة بعدد ما . مثل فكر الأكوان ذات الأبعاد غير المحدودة ؛ أو الأبعاد اللانهائية ( لاحظ أن كوننا هذا ؛ هو كون ذى أربعة أبعاد فقط : ثلاثة منها للفضاء ورابع للزمن ) .
[23] لابد وأن أشير هنا إلى أن جميع الرسالات السابقة على رسالة محمد ( r ) ، كانت البينات فيها ، أى المعجزة ( أو المعجزات ) مختلفة عن الرسالة ذاتها ( أى الكتاب ) ، وهو ما يعنى الإنفصال الكامل بين البينة والرسالة ، وبهذا تصبح البينة مقصورة أو مرتبطة بوقت وقوعها فى وقت وجود الرسول وزمانه ، كما تصبح المعجزة حجة على كل من رآها أو شاهدها فقط فى حينها . وبهذا المعنى تصبح البينة محلية ( زمانا ومكانا ) مما يسهل التشكيك فيها ، تحت دعوى أنها ـ أى المعجزة ـ لم تتم تحت الشروط والإحتياطات العلمية المسبقة حتى يمكن التأكد من صحتها . وبهذا المعنى يمكن رفض المعجزة برمتها ، كما هو الحادث الآن فى الفكر الغربى عن معجزات موسى وعيسى عليهما السلام ، تحت زعم أن النبى أو الرسول يمكن أن يكون قد خدع المشاهدين وأوهمهم بحدوث المعجزة ، بينما لم تحدث المعجزة فى الواقع أو فى حقيقة أمرها . وهناك فلاسفة أمثال " ديفيد هيوم " ، يرى أن : " احتمال خداع المشاهدين أقوى من احتمال حدوث المعجزة نفسها " ، ولما كانت الحجة الأضعف لا تزكى الحجة الأقوى ، فإن النبى ـ من هذا المنظور ـ يكون قد خدع المشاهدين ..!!!
[24] أنظر البرهان على كل هذه الحقائق فى : " الحقيقة المطلقة ... الله والدين والإنسان " ، لنفس المؤلف .
[25] المرجع السابق .
[26] المرجع السابق .
[27] كما رأينا فى المرجع السابق ، وكما سنرى فى هذا الكتاب ؛ أن القرآن المجيد عندما يتعرض لمثل هذه القضايا الغيبية فإنه يجعل من جذورها نبؤات فيزيائية وعلمية قابلة للمشاهدة والملاحظة والتحقيق فى عالمنا المادى هذا ، وبديهى يصبح التحقق من هذه النبؤات العلمية هو دليل الصدق اللازم للبرهنة على وجود مثل هذه العوالم الغيبية . ولم يتجاوز هذا المعنى فكر المسلمات فى النظريات الفيزيائية الكبرى ، كما سبق وتم شرح ذلك فى المرجع السابق وكما سنرى في هذا المرجع .
[28] عن " موسوعة الفلاسفة " د. فيصل عباس ، دار الفكر العربى ، بيروت . ص : 246 - 249 .
[29] كلمة " الماهايانا : Mahayana " تعنى " المنهاج الكبير " ، وهو المنهاج أو الطريق الذى يحقق هدف الديانة البوذية ، مع عدم الإلتزام الدقيق بحرفية الشريعة فى نظام الدير . وفى المقابل تأتى " الهينايانا :Hinayana " أى " المنهاج الصغير " وهو المنهاج أو الطريق الذى يحقق هدف البوذية مع الإلتزام الدقيق بحرفية الشريعة فى نظام الدير . والفرق بين المدرستين هو أن المهايانا أكثر وعيا بالشمولية ، بمعنى أنها تقدم نفسها لقطاع أوسع من المجتمع . أما الصورة الأقدم والأكثر تقليدية للحياة البوذية فهى بوذية الهينايانا ، وقد تضمنت هذه الصورة تفرقة أكثر حدة بين الرهبان وعامة الناس ، كما أكدت على أهمية حياة الأديرة لبلوغ هدف البوذية الأخير وهو : " النرفانا : Nirvana " ، حيث قالت بأن هذا الهدف لا يتحقق إلا بعيشة حياة الأديرة فقط . أما أتباع " الماهايانا " فقد رأوا أن هذه النظرة ، هى نظرة ضيقة ولا ضرورة لها . وعلى الرغم من أنهم لم ينكروا صحتها أو مشروعيتها ، إلا أنهم قالوا بأنها نظرة صارمة وبغير داع .
هذا وقد سبق البرهنة ، وبشكل قطعى فى كتاب الحقيقة المطلقة .. ، أن البوذية هى ـ فى الواقع ـ " ديانة وضعية " بالمعنى العريض ، أى أنها ليست وحيا إلهيا أو خلافه ( فهى ديانة خالية من الوحى الإلهى ) . ويتأكد هذا المعنى أيضا ؛ عند بعض المؤرخين الهنود المحدثين من أمثال " د. د. كوزامبى : D. D. Kosambi " و " روميلا تابر : Romila Thaper " الذين يعتبرون البوذية فى بدايتها كانت " فلسفة إجتماعية " ( أى ليست دينا ) يجد أى حاكم صالح أنه من الضرورى أن يتوافق معها ، ثم تطورت بعد ذلك لتأخذ شكل العقيدة أو الديانة . [ عن : " المعتقدات الدينية لدى الشعوب " جيفرى بارندر . ترجمة أ.د. إمام عبد الفتاح . مكتبة مدبولى ، الطبعة الثانية ص : 262 - 300 ]
[30] صرح مستشار ألمانيا الغربية الأسبق " فيلى برانت " ـ قبل توحيد الألمانيتين ـ : بأن الدول العربية والإسلامية لا تدرى بعد بأنها فى أتون حرب عالمية ثالثة غير معلنة ضد الإسلام . كما أصبح " الدمج بين الإسلام والإرهاب " أسلوبا نمطيا ومعلنا فى النظام العالمى الجديد . والغرب لا ينكر هذا الآن ، بل ويريد ـ وبشكل معلن ـ أن يستبدل فى كل سياساته وتوجهاته الشيوعية ( كعدو تقليدى قديم ) بالإسلام كعدو جديد .
ولم يتنبه الغرب ، أو بمعنى أدق ، لم يتنبه الإنسان الغربى ، إلى أن تدمير " الديانة الإسلامية " ؛ إنما تعنى ـ ببساطة شديدة جدا ـ تدمير الإنسان لنفسه بنفسه بعدم تحقيقه الغايات من خلقه ..!!! فالديانة الإسلامية ليست " قضية تبشيرية " بالمفهوم أو المعنى النمطى المألوف ، بل هى البلاغ الصادر عن الخالق ( عز وجل ) للإنسان للسعى لتحقيق الغايات من خلقه ، حتى يمكنه نيل الخلاص المأمول ..!!! والسؤال المطروح ـ الآن ـ للإنسان الضعيف والمحدود زمانيا ومكانيا : هل سيسمح الله ( عز وجل ) ـ وهو القاهر فوق عباده ـ بتدمير الإسلام ..؟! وتأتى الإبتسامة من الأعماق .. على ذلك الإنسان المغيب ..!!! الذى لا يدرى أنها قوانين عليا تحكم وجوده سواء أدرك هذا أم لم يدرك ..!!! وكما سنرى بالبرهان ؛ بأن انتهاء " الديانة الإسلامية " إنما تعنى ـ ببساطة شديدة ـ الإنتهاء الوجوبى للإنسان من هذا الوجود المادى الحالى .. ليظهر فى آفاق أخرى ليلقى جزاء ما صنع ( أنظر الفصل السادس للتفاصيل ) ..!!!
[31] نظرا لأهمية هذا الملحق ، فقد أضيف أيضا إلى الكتاب السابق " الحقيقة المطلقة ... الله والدين والإنسان " ، لنفس المؤلف ، إعتبارا من طبعته الثانية ( لم تصدر بعد حتى 2006 م ) .
[32] هذا إلى جانب استخدام " فونط : Font " كبير فى الكتابة ، لتلافى الشكوى السابقة والخاصة بصغر أحرف كلمات ( الطبعة الأولى ) من مرجع الكاتب السابق : الحقيقة المطلقة .. الله والدين والإنسان .
************