ليس من الصعب ـ على الإطلاق ـ البرهنة العلمية على وثنية وخرافة الديانتين اليهودية والمسيحية ، ولكن الصعب ـ كل الصعب ـ أن نجعل شعوب هاتين الديانتين تنصت إلينا
كناتج طبيعي من غسيل المخ الذي يجريه رجال الدين على الأتباع منذ طفولتهم
*******
التحـول في النمـوذج الديني
Paradigm Shift in Religion
دكتور مهندس : محمد الحسيني إسماعيل
يتناول هذا البحث عرض فكر جديد ينشر لأول مرة حول معنى " القضية الدينية " كما يأتي بها القرآن المجيد ( أو الدين الإسلامي ) وبما تحمله وتحتمه الغايات من خلق الإنسان من جانب ، ووحدانية الخالق من جانب آخر . فالمعروف ـ في الوقت الحاضر ـ أنه يكاد يكون هناك اتفاق تام على أن القضية الدينية هي " قضية نسبية " لا يمكن القطع بصحتها . ومن أكبر الأدلة على هذا المعنى عدم الاتفاق على تعريف محدد للدين من جانب ، وكذا وجود العشرات من الديانات الكبرى على الساحة الفكرية من جانب آخر ، والتي تعتقد كل فئة منها في صحة عقيدتها وخطأ عقائد الفئات الأخرى . ولتغيير فكر البشرية حول هذا المعنى ، أو معنى الدين ؛ يقدم هذا البحث فكر " التحول في النموذج الديني " ـ لأول مرة ـ والذي يتم فيه نقل القضية الدينية من الحيز النسبي إلى الحيز المطلق . أو بمعنى آخر نقل القضية الدينية من حيز الاعتقاد بلا برهان إلى حيز القضايا العلمية ذات البراهين الرياضية والفيزيائية الراسخة .
والتحول في النموذج الديني يقود مباشرة إلى توحيد نظرة الإنسان إلى الدين بما له من تأثير إيجابي على الفكر البشري ، كما وأنه يمكن أن يعتبر المدخل الوحيد للسلام على الأرض . وبديهي سوف يترتب على هذه المعاني السابقة .. التحول في طريقة عرض الإسلام في الغرب .. أو بمعنى آخر التجديد في الخطاب الديني ( الإسلامي ) . وبديهي ؛ لا يعني هذا المفهوم التبشير بالدين الإسلامي بالمعنى السياسي ، بل يعني الدعوة إلى الدين الإسلامي من خلال تبصير الإنسان بمعنى وجوده ومصيره والغايات من خلقه .. وحتمية تحقيق الإنسان للغايات من خلقه حتى ينال الخلاص والسعادة الأبدية المنشودة .
ولا يقتصر فكر " التحول في النموذج الديني " على آيات قرآنية بعينها بل يشمل هذا الفكر المنهاج القرآني بوجه عام .. وهو ما سوف نبينه في هذا البحث في أضيق الحدود ..
· التحول في النموذج ( Paradigm Shift )
التحول في النموذج : هو تعبير أكاديمي يستخدم في مناهج البحث العلمي ويعني النقلة النوعية في الفكر الإنساني عندما تتغير إحدى الفرضيات الأساسية التي كانت سائدة فيه لفترة زمنية طويلة . ولم يسجل التاريخ الإنساني سوى تحولين فقط في النموذج في الفكر العلمي .
التحول الأول في النموذج : حدث عندما اكتشف " نيقولاوس كوبرنيكوس " [1] أن الأرض هي التي تدور حول الشمس .. وليس الشمس هي التي تدور حول الأرض . وبذلك تغيرت نظرتنا إلى العالم من النظام البطليموسي ( الأرض مركز الكون ) والذي كان تتبناه الكنيسة إلى النظام الكوبرنيكي ( الشمس هي مركز الكون .. أو بمعنى أدق الشمس هي مركز النظام الشمسي وليس الأرض ) . وقد استغرق التحول في هذا النموذج إلى أكثر من مائة عام .. حتى أمكن استيعابه ..!!!
أما التحول الثاني في النموذج : فقد حدث عندما أضاف الرياضي الروسي " هيرمان منكاوسكي" [2] الزمن كبعد رابع إلى الفضاء .. وبذلك أصبحنا نحيا في عالم رباعي الأبعاد .. ولم تتبلور هذه الفكرة حتى الآن ( وبعد مضي مائة عام على ظهورها ) إلا في فكر العلماء المتخصصين فقط .. وفي إطار عملهم التخصصي فحسب .
والتحولات السابقة انتقلت بالفكر الإنساني من النظرة الأسطورية للكون .. إلى النظرة الحقيقية والموضوعية للكون . أي هي تحولات أدت إلى توسيع مدارك الإنسان عن الوجود المادي كما أدت إلى اكتشاف القوانين الفيزيائية بشكلها الحالي .. وكذا وجود الأجرام السماوية والجسيمات الأولية وحركتها في الكون .
ولكن يبقى الجانب الهام في حياة الإنسان والذي لم يكتشف بعد .. ويتطلب هذا النوع من التحول في النموذج . وهذا الجانب هو : أن الإنسان لم يكتشف نفسه أو ذاته حتى الآن .. كما لم يكتشف موقعه الحقيقي في بانوراما الوجود ( الكون المادي والأكوان المتطابقة معه ) .. وهو ما أدى به ليس فقط إلى الشعور بالاغتراب في هذا الكون .. بل أدى به أيضا إلى قيامه بصراعات وحروب طاحنة مع أخيه الإنسان .. من أجل أشياء بالغة التفاهة .. لن يستطيع امتلاكها .. لأنه ـ في النهاية ـ هو مفارق لها . ولم يتنبه الفلاسفة الذين قالوا بالشعور بالاغتراب في هذا الكون .. إلى أنهم يشيرون بطريقة فطرية ـ وغير مقصودة ـ إلى وجود عالم آخر سوف يستقر فيه الإنسان بشكل نهائي .. كما جاء هذا في قوله تعالى ..
) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (94) (
( القرآن المجيد : الأنعام {6} : 94 )
ومن هذا المنظور تظهر الحاجة الملحة ـ الآن ـ إلى حدوث مثل هذا التحول الثالث في النموذج .. أي : " التحول في النموذج الديني " .. حتى يستطيع الإنسان تصحيح موقفه من الخالق .. وموقفه من الدين .
والآن ؛ إذا ما استثنينا الدين الإسلامي .. فيمكننا القول ـ بدون أدنى مبالغة ـ أن الإنسان مازال يحيا في " عهد الطفولة الدينية " .. حيث فشلت المعاجم والموسوعات العلمية في الاتفاق على تعريف محدد للدين . كما فشل الفلاسفة وعلماء الاجتماع .. في فهمهم أيضا وتعريفهم للدين [3] . والسبب في هذا يرجع إلى أن جميع من حاول تعريف الدين قد أغفل منظور الخالق المطلق ( الله I ) ـ صاحب ومؤسس الدين الفعلي ـ في هذا التعريف . وبهذا ضلت البشرية وبعدت كثيرا عن رؤية وجودها ومصيرها .. من منطلق وجود سبب أو غايات من خلقها وحتمية تحقيقها لهذه الغايات . فقضية خلقنا ـ نحن البشرية الضعيفة والتي يلفها العجز ويحدها الميلاد والموت ـ ليست عبثا إلهيا .. كما جاء في قوله تعالى ..
) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا [4] وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) (
( القرآن المجيد : المؤمنون {23} : 115 - 116 )
كما وأن قضية الخلق على نحو مطلق ليست صدفة كونية .. أو لهوا إلهيا .. بل هي قضية خلق ووجود محسوم بالفكر والحكمة الإلهية .. كما جاء في قوله تعالى ..
) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) (
( القرآن المجيد : الأنبياء {21} : 16 - 18 )
ولهذا ؛ أصبحت البشرية الآن في أمس الحاجة إلى مثل هذا التحول في النموذج الديني [5] في الوقت الراهن .. وربما يصبح هذا التحول المدخل الأوحد لتحقيق السلام ـ غاية الإنسان ـ على الأرض ..!!!
· التحول في النموذج الديني ..
والتحول في النموذج الديني يعني في أبسط معانيه : " الانتقال بالقضية الدينية من حيز الوهم والاعتقاد إلى حيز القضايا العلمية الراسخة " . أو بمعنى آخر : " الانتقال بالقضية الدينية من الحيز ( أو المفهوم ) النسبي إلى الحيز ( أو المفهوم ) المطلق " . والنسبية في القضية الدينية تعني صحة جميع الأديان .. بينما الإطلاق في القضية الدينية لا تعني سوى دين واحد حق مطلق . وبديهي هذا يتفق تماما مع المنطق إلى حد بعيد . فطالمـا أن الخالق ـ أي الله I ـ واحد ولا متغير .. فبديهي لابد وأن يكون الدين هو الآخر واحد ولا متغير .. كما جاء في قوله تعالى ..
) شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (13) (
( القرآن المجيد : الشورى {42} : 13 )
وكما جاء في قوله تعالى لمحمد ( r ) ..
) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43) (
( القرآن المجيد : فصلت {41} : 43 )
هذا من جانب . ومن جانب آخر ؛ إذا كان هناك غايات من خلق الإنسان .. فلابد وأن يكون الدين هو البلاغ الصادر عن هذا الخالق ( I ) للتعريف بهذه الغايات كما جاء في قوله تعالى ..
) هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (52) (
( القرآن المجيد : إبراهيم {14} : 52 )
فالحقيقة أن دور الرسل لم يتعد تبليغ البشر ( العباد ) بما يقرره الله ( I ) ويريده ويبغيه منهم .. وتعريفهم بالغايات من خلقهم . ولهذا ياتي تعريف الدين من المنظور الإسلامي بأنه :
" البلاغ الصادر عن الخالق المطلق لهذا الوجود ( ويشمل ذلك كوننا هذا والأكوان الأخرى الموازية أو المتراكبة معه ) لتعريف مخلوقاته ( بما في ذلك الإنسان ) به ( كمالات وفعل ) وتعريف هذه المخلوقات بالغايات من خلقها ، وحتمية تحقيقها لهذه لغايات " .
لينتهي الفرد من هذا البلاغ إلى إدراك معنى قوله تعالى ..
) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) (
( القرآن المجيد : الذاريات {51} : 56 )
وهي الكلمات الخمس التي لخص بها المولى ( U ) الفطرة البشرية نحو التدين وممارسة العبادة .. والغايات من الخلق .. خلق الكائنات العاقلة والمكلفة ( الجن والإنس ) .. وذلك على حسب حركة الحرف الأخير من كلمة ( ليعبدون ) من السكون ( لِيَعْبُدُونْ ) والكسر ( لِيَعْبُدُونِ ) على التوالي .. وكلاهما في القراءة جائز . وهكذا ؛ تتضح رؤية الإنسان لوجوده الحقيقي وللوجود المبني على العقل والمنهاج العلمي معا .. وهو المنظور المفقود في الديانات الأخرى كما رأينا في كتابات الكاتب السابقة ..!!! ولا يجوز القول بعبادة أي إله آخر .. فهي من المحرمات على الإنسان .. كما جاء في قوله تعالى لمحمد ( r ) ..
) قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا .. (151) (
( القرآن المجيد : الأنعام {6} : 151 )
فالشرك مع الله هو مبدأ مرفوض تماما .. كما سبق وأن قرر الله ( I ) هذا المعنى في رسالاته السابقة من قبل ، كما جاء هذا ـ أيضا ـ في توراة موسى ( u ) [6] ..
[ (3) لا يكن لك آلهة أخرى أمامي . (4) لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما مّما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض . (5) لا تسجد لهنّ ولا تعبدهن ّ.لأني أنا الرب إلهك اله غيور .. ]
( الكتاب المقدس : سفر الخروج : {20} : 3 - 5 )
ولهذا يأتي القرار الإلهي
) وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ .. (23) (
( القرآن المجيد : الإسراء {17} : 23 )
أي هو إله واحد هو : " الله سبحانه وتعالى " المستحق بالعبادة وهو أصل الغايات من الخلق أي الوصول إليه من خلال العقل الذي أودعه الله ( I ) في الإنسان .
ويلخص المولى ( U ) دور الرسل في قوله تعالى لمحمد ( r ) ..
) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23) (
( القرآن المجيد : الجن {72} : 21 - 23 )
[ ( قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ) : أي إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ وعبد من عباد الله ليس لي من الأمر شيء فيه هدايتكم ولا غوايتكم بل المرجع في ذلك كله إلى الله عز وجل وإليكم . ثم أخبر عن نفسه أيضا أنه لا يجيره من الله أحد لو عصيه فإنه لا يقدر أحد على إنقاذ أحد من عذاب الله عز وجل ، ( ولن أجد من دونه ملتحدا ) قال مجاهد وقتادة والسدي لا ملجأ ولا نصير ولا ولي / عن تفسير ابن كثير ]
فقد اقتضى عدل الله ( I ) وحكمته إرسال الرسل للبشرية .. كما جاء في قوله تعالى ..
) رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) (
( القرآن المجيد : النساء {4} : 165 )
ويتحرك التحول في النموذج الديني على ثلاثة محاور رئيسية تتلخص في الآتي :
أولا : توحيد الفكر الإنساني حول ضرورة وجود المنهاج العلمي في القضية الدينية حتى يمكن إقامة البرهان على صحة هذه القضية المصيرية بالنسبة للبشرية . وبهذا المعنى يمكن إخضاع الدين ـ أي دين وليس الدين الإسلامي فحسب ـ للقياس العلمي والمنطق الرياضي معا .. تماما كما تخضع النظريات العلمية لهذا المنهاج . وبهذا المعنى يمكن البرهنة على صحة الدين الحق وكذا البرهنة على خطأ الأديان الوثنية الأخرى .. بطريقة لا لبس فيها ولا غموض في أي من الحالات .
فنظرة الإنسان للدين ـ حتى الآن ـ لم تتجاوز المفهوم النسبي .. بمعنى أن الدين إن لم يكن قضية وهمية من صنع خيال الإنسان .. فهو في أحسن أحواله .. قضية اعتقادية .. أي قضية يعتقد فيها المرء أو لا يعتقد فيها .. ولا يمكن إقامة البرهان على صحتها .. شأنها في هذا شأن أي قضايا جمالية أخرى ( أي المنظور النسبي ) .
وبنزول : " القرآن المجيد " قد تغير هذا المعنى تماما .. فقد قام هذا الكتاب ـ أي القرآن العظيم ـ بنقل الدين من حيز القضايا النسبية إلى حيز القضايا المطلقة ( أي إلى حيز القضايا العلمية الكلية ) .. ذات البراهين الراسخة .. كما جاء هذا في قوله تعالى للبشرية ..
) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (174) (
( القرآن المجيد : النساء {4} : 174 )
وبديهي لا يأتي معنى البرهان إلا مقترنا بالفكر الرياضي والفيزيائي .. والتجربة العلمية الدالة حيث لا توجد براهين في القضايا الجمالية أو الأعراف ( إلا بالاتفاق ) لأن منظورها نسبي . وسوف نرى ـ في بحث آخر ـ أن القرآن المجيد ( أي في الدين الإسلامي ) قد جاء بالمنهاج العلمي في أعم وأشمل معانيه .
ثانيا : توحيد الفكر الإنساني حول معنى وفكر الخـالق المطلق لهـذا الوجود ، أي " الله " ( I ) . وهو ما يعني اعتراف الغرب بلفظ الجلالة : " الله " .. حيث لا يقتصر معنى هذا الاسم على الدين الإسلامي فقط أو الأمة الإسلامية فحسب ـ كما هو معلوم الآن في الفكر الغربي [7] ـ بل يجب أن تعترف الكنائس الغربية بهذا الاسم أيضا .. كما اعترفت به الكنائس الشرقية الناطقة باللغة العربية . ولهذا ينبغي تعميم استخدام هذا الإسم أي : " الله " ( U ) على المستوى العالمي . ولكن بشرط ـ وحتى لا أتهم بالتناقض في كتابات سابقة [8] ـ يجب تنزيه صفات هذا الاسم ، أي اسم الخالق المطلق لهذا الوجود ، عن الصفات الوثنية السائدة الآن عن الإله وبخاصة في الفكر اليهودي والمسيحي .. بحيث تقتصر صفاته ـ سبحانه وتعالى ـ على الصفات الإسلامية ( أي الكمالات الإلهية ) كمـا وردت في القـرآن المجيد والسنة النبوية الشريفة .
وأذكر هنا المغالطات الصارخة التي يدعيها الغرب ـ في الوقت الحالي ـ على الإسلام كما جاءت على لسان القس " بيتر شتايناك : Peter Steinacke " رئيس الكنيسة الإنجيلية بمقاطعة " Hessen und Nassau " الألمانية للتلفزيون الألماني حيث يقول :
" إن الإله الذي يعبده المسلمون غير الإله الذي يعبده المسيحيون " [9]
وبديهي ؛ إذا كان لا يوجد سوى إله واحد هو إله المسيحية ( أي : المسيح عيسى بن مريم ) .. فإن معنى هذا أن المسلمين لا يعبدون سوى وثن ..!!! وهنا نصبح إزاء تناقض صارخ في جوهر العقائد .. فهم يدعون علينا بأننا نعبد " إله وثن " .. بينما نحن ـ المسلمين ـ نقطع بأنهم يعبدون نبيا .. ( عيسى بن مريم ) ..!!!
ثالثا : توحيد الفكر الإنساني حول معنى وفكر " الدين " .. فلا معنى القول بتعدد الأديان على الرغم من صدورها من خالق واحد ـ لا متغير ـ لهذا الوجود . فمن المنطقي ؛ طالما وأن الله ( I ) واحد ولا متغير ، فلابد وأن يكون الدين ـ أيضا ـ واحد ولا متغير . فمن منظور الفكر الإسلامي أن الدين واحد في كل ما سبق من رسالات .. كما جاء في قوله تعالى ..
) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43) (
( القرآن المجيد : فصلت {41} : 43 )
وكما جاء في قوله تعالى ..
) شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (13) (
( القرآن المجيد : الشورى {42} : 13 )
أي هي رسالة واحدة .. وليست رسالات مختلفة . وبهذا المعنى تصبح الأديان السابقة على الإسلام هي صور أولى من الدين الإسلامي ولها نفس المعنى ولا خلاف في أصولها .. كما كان ينبغي أن يطلق عليها اسم " الدين الإسلامي " أيضا .. أي لا يهودية أو مسيحية نسبة إلى أشخاص أو أنبياء .
ثم ننتقل ـ الآن ـ إلى المقاييس الخاصة بالحكم على صحة أو بطلان أي ديانة ، والتي تتمحور حول الإجابة على الأسئلة الثلاثة الأساسية التالية :
- السؤال الأول : هل يمكن الحكم على خطأ أو صواب ديانة ما .. بدراسة ذاتية محايدة بعيدة عن الدراسات المقارنة مع أي ديانات أخرى ؟
والجواب : نعم .. بالقطع يمكن ذلك . أي أنه يمكن القيام بدراسة أي ديانة ( أو دين ) على حدة وباستقلالية تامة عن الديانات الأخرى لإقامة الدليل أو البرهان القاطع على صحتها أو خطئها بشكل قاطع ونهائي ، وذلك بدون الدخول في أي مقارنات مع الديانات الأخرى . وربما كان هذا واقعا ؛ نظرا لإطلاق معنى القضية الدينية وليس نسبيتها ، أي أن الحق في الدين هو " حق مطلق " وليس " حق نسبى أو حق مقارن " . ويمكن ، بعد تقديم هذه الدراسة التقييمية ، أن تعقد المقارنات الدينية في مرحلة لاحقة ، بعد تحديد صحة الديانة أو بطلانها ، كضرورة يقتضيها حال اعتقاد الإنسان فيما هو حق .. والإعراض عن ما هو باطل .
- السؤال الثاني : هل يمكن للديانة أن تصيغ " البرهان الذاتي " لها .. والذي يمكن استخدامه في البرهنة على صحتها ، بدون الحاجة إلى تحديد مرجعية مطلقة يمكن الاستناد إليها في هذا البرهان ..؟!
والجواب : في الواقع .. يمكن ذلك ؛ فليس مُهما على الإطلاق تحديد " المرجعية المطلقة " التي يمكن أن تستخدم في البرهنة على صحة أو بطلان الديانة ؛ حيث يمكن للديانة ـ نفسها ـ اختيار ما تشاء من الأسس لتحديد المرجعية الذاتية الخاصة بها ( أي تحديد الفروض والمسلمات الأساسية التي تبنى عليها الديانة أسس الاعتقاد في صحتها ) ، ثم تقوم الديانة نفسها بإعطاء الدليل أو البرهان المادي والكافي في صورة تجارب معملية أو كونية دالة على صحة هذه الفروض أو المسلمات المفروضة . وإقامة الدليل المادي ـ هنا ـ ليس ترفا فكريا ، بل هو شرط ضروري ولازم لصحة الديانة ، ويمكن أن يصبح كافيا أيضا .. خصوصا إذا كان مدعما بتجارب معملية أو قياسات كونية كافية . وفى هذه الحالة ـ وبعد إقامة البرهان على صحة هذه المرجعية ـ يمكن قبول هذه الفروض والمسلمات على أنها حقائق ثابتة ومدعمة بالتجارب الكافية ، ليتم استخدامها ـ فيما بعد ـ في شرح معنى النظام الديني .. واستخراج الحقائق الخاصة بمعنى الوجود والقصد من وراء الغايات إن وجدت . وهنا تكون الديانة قد أقامت " البرهان الذاتي " على صحتها ، وصحة ما جاءت به من فروض ومسلمات دينية .
- السؤال الثالث : هل يمكن صياغة بنود لـ " البرهان العام " أو " البرهان المطلق " للدلالة على صحة أية ديانة بتحديد مرجعية مطلقة ـ صالحة للاستخدام لكل الأديان ـ يمكن أن يستند إليها الفكر الإنساني ويستخدمها في البرهنة على صحة أية ديانة أو بطلانها ..؟!
الجواب : نعم بالقطع ..!!! فيمكن تحديد هذه " المرجعية المطلقة " ( أي تحديد الفروض والمسلمات الأساسية ) منذ البداية وبشكل مستقل عن الديانة ذاتها ، بغض النظر عن طبيعة الديانة الخاضعة للدراسة . وفى هذه الحالة يصبح البرهان الديني هو " برهان عام " ، لا يتوقف على مضامين الديانة ذاتها ، حيث لا تقدم الديانة ـ في هذه الحالة ـ هذه المرجعية . وهنا تصبح الدراسة نوعا من دراسة التناظر بين فروض ومسلمات ومضامين الديانة المعنية بالدراسة وبين " المرجعية المطلقة " المفروضة والتي تم تحديدها سلفا .. ومدى تحقيق الديانة لبنود هذه المرجعية المطلقة . أو بمعنى آخر ، تصبح الدراسة نوعا من تحقيق الدين لشروط هذه " المرجعية المطلقة " التي سبق تحديدها من قبل .
وبديهي يمكن ـ بسهولة ـ تحديد مثل هذه " المرجعية المطلقة " بما يتفق والمنطق البشرى المعتاد والفطرة السوية ، فلا غموض ولا لبس ، ولا بعد عن الواقع أو الفكر أو المنطق العلمي عند تناولنا للقضية الدينية ( حيث أن المنطق الإنساني هو عين المنطق الإلهي لأن الأخير هو مصدره ) . ويمكن تقسيم هذه " المرجعية المطلقة " إلى ثلاثة أقسام رئيسية :
القسم الأول : ويختص بمعطيات النص الديني وطبيعته ، وينبغي أن يحوى الآتي :
- لابد وأن تحتل المعطيات الدينية الحيز العقلي لدى الإنسان .
- عدم تناقض المعطيات الدينية مع مفردات وموجودات العلم الحديث ونتائجه .
- ألا يكون هناك تناقض ذاتي بين المضامين الدينية مع بعضها البعض ، فالتناقض الذاتي يكفى بأن يقضى على ـ أو يهدم ـ أي نظرية علمية مهما كانت صحة النتائج الجزئية التي تؤدى إليها هذه النظرية .
- أن تتسم معطيات الدين بتوسيع مدارك الإنسان ، مع إعطاء المعنى الكافي عن معنى وجود الإنسان ، والغايات من خلقه ، ومنتهى مصيره ، كل هـذا ببراهين كافية وقاطعة .
- ألا يتناقض النص الديني مع قانون الفطرة الأخلاقي لدى الإنسان .
- أن يقدم الدين أسلوب البرهان المادي الخاص به ، والذي يؤكد صحة ما يأتي به من مضامين ومسلمات .
- أن يتحرك النص الديني ( صياغة ومعنى ) مع التقدم الحضاري للإنسان ، وإلا أصبح الدين " منتج ثقافي " ، أي مرتبط بالبيئة المحيطة المحلية وثقافتها وقت التنزيل . فثبوت معنى النص الديني وقصوره على المفهوم الماضي وقت التنزيل ، إنما يعنى ـ فيما يعنى ـ أن الخالق ( وهو مصدر الدين ) لم يأخذ في الاعتبار التطور العلمي والحضاري الذي سوف يلحقه " هو " ( I ) أو يجريه على الإنسان مخلوقه على مدار حضاراته المحتملة والمتوقعة ، وهو مـا يعنى التناقض مع فكر العلم والإحاطة والكمال الإلهي .
القسم الثاني : ويختص بالفكر الإلهي وطبيعته :
- لابد أن يتصف الإله ـ في الديانة ـ بالكمالات المطلقة ، مع تحديدها بدقة كافية ، فلا مكان لإله يتصف بصفات إنسانية متدنية ، أو بصفات وثنية أسطورية ، كما لا يقبل أن يكون الإله شكلا من أشكال مخلوقاته .. بالذات الحيوانات ..!!!
- يجب أن تتعالى وتتناهى حكمة ـ الإله ـ فوق الحكمة البشرية بل وتحويها . فلا مكان ـ في ديانة ما ـ لإله أحمق ، أو إله متسرع ، أو إله لا يدرى ماذا يفعل ..!!!
- أن يحدد الإله ـ بدقة ووضوح ـ غاياته من خلق هذا الوجود ، ومنها خلق الإنسان على وجه الخصوص . كما عليه تحديد " ماهية الإنسان " ، ومكانه ومصيره في بانوراما الوجود .. وعليه أن يقدم البرهان اللازم والكافي على كل ما يقدمه .
- أن يكون الإله هو مصدر الدين ، وليس الدين هو مصدر الإله . أو بمعنى آخر ؛ يجب أن تكون بصمات الإله واضحة الدلالة على النص الديني ( صياغة ومعنى ) .. وليس بصمات الإنسان . كما يجب أن يبين الإله ـ من خلال النص الديني ـ علاقته بالديانات الأخرى .. فلا معنى لدين مستقل عن واقع يحياه الإنسان ، في ظلال من التخبط وعدم وضوح الرؤية العقلية والدينية .
- لابد وأن يبرهن " الإله الخالق " على وجوده وعلى فطريته في النفس البشرية بشكل قاطع . ولا تجاوز ـ هنا ـ في النص .. فالمنطق .. هو منطق " الخالق " حتى وإن أجراه على لسان البشر ، لأنه ـ هو ـ مصدره .
القسم الثالث : ويختص بفكر البلاغ والرسل :
- أن يقوم الدين بتحديد وتعريف كيفية اتصال الخالق بمخلوقاته .
- أن يبين الدين ـ وهو المتوقع ـ أن الاختيار الإلهي للأنبياء والرسل لا يتم عشوائيا ، بل هو اختيار له قوانينه وقواعده الصارمة .
- أن يبين الدين أن الأنبياء والرسل هم الصفوة والقدوة البشرية للتبليغ عن الإله فيما يبغيه من مخلوقاته ، والغايات من خلقها . فالأنبياء والرسل هم النماذج الأولى في تطبيق المنهاج والشرع الإلهي ، لذا لابد وأن تكون صفاتهم هي " الذروة في الكمال الإنساني المحدود " ، حيث أنهم يمثلون القدوة البشرية للبشرية ، وذلك بمفهوم أرقى كثيرا عن مفهوم أبطال الشعوب .
وربما كانت هذه البنود السابقة ، هي الخطوط العريضة التي يمكن أن تحكم صحة أو خطأ الديانة المعنية بالدراسة .. ويعرف البرهان الذي يتم باستخدام هذا الأسلوب المقارن باسم " البرهان العام " . ومن الأمور البديهية كناتج طبيعي من استخدام البرهان العام أنه لا مكان لديانة نصوصها لا عقل فيها . ولا مكان لديانة يكون " الإله " في نصوصها بلا كمالات ، أو على صورة حيوان ، أو مسخ أحمق .. تتعالى عليه مخلوقاته البشرية حكمة وذكاء وبلا حدود . وبديهي أيضا ؛ لا مكان لديانة تخبرنا نصوصها أن أنبياءها زناة وقتلة وسفاحين وخونة ..!!! ولا مكان لديانة تطفح نصوصها بفواحش الأخلاق في أحط صورها ، وأقذر معانيها [10] ..!!! ولا مكان لديانة لا تعطينا من البراهين الواضحة والكافية للحكم على صحة ما جاء بها ..!!!
وبتطبيق مثل هذا البرهان على الديانات المطروحة على الساحة البشرية .. يجد أن جميعها تفشل فشلا ذريعا في تحقيق أي بند من البنود السابقة .. وهو ما يعني خروجهم من دائرة الحقيقة المطلقة بجدارة وعلى وجه مطلق ..!!!
وننتهي من هذا البحث ؛ أن قضية التحول في النموذج الديني ـ على نحو مطلق ـ هي قضية مرتبطة بطبيعة خلق الإنسان والحكمة وجوده في هذه الحياة الدنيا [11] . ولا يرجع أهمية التحول في النموذج الديني .. إلى تنبيه البشرية إلى واقع وجودها ومصيرها فحسب .. وتحقيق الغايات من خلقها لنيل الخلاص المأمول فحسب .. بل يرجع أهمية هذا التحول أيضا إلى كونه المدخل الوحيد لتحقيق السلام على الأرض . فلا معنى لتحقيق السلام بدون وضع المرجعيات المطلقة لمعاني : الدين / الغايات من الخلق / الحق / العدل / الخير / مكارم الأخلاق .. إلى آخره .. بحيث لا تحتمل تأويل هذه المعاني بغير معانيها الحقيقية بعيدة عن هوى النفس البشرية .. وخصوصا ..
) .. إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53) (
( القرآن المجيد : يوسف {12} : 53 )
فالواقع ؛ لا معنى لأن يتكلم الإنسان عن السلام ما لم يتنبه إلى حقيقة وجوده .. وحقيقة الغايات من خلقه .. وحقيقة العدل .. وحقيقة الحق .. وحقيقة الخير .. وحقيقة الشر .. إلى آخره . وهو ما ينطوي على تخليص العالم بأسره من شرور النفس البشرية .. وشرور الفكر البدائي المسيطر على العقائد الدينية كما في الديانات الوثنية الأخرى .. متمثلا هذا في دموية النصوص في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان ..!!!
وهكذا ؛ يمثل هذا البحث ـ كما تمثل سلسلة كتب الكاتب ـ المحاولة المبذولة لمد يد العون لإنقاذ هذا الكم الهائل من البشرية من مصير حتمي هي متردية فيه ـ في الوقت الحاضر ـ بتبصيرها بواقع وجودها ومصيرها والغايات من خلقها .. وذلك بما تفرضه علينا الأخوة الإنسانية من جانب .. وتحقيقا لقوله تعالى ـ من جانب آخر ـ " في جَعْلنا " .. وأكرر : " في جَعْلنا " حيث لا فضل لنا في هذا " الجعل " فالفضل يرجع إلى الله وحده ( I ) في اختياره لنا لكي نكون " الأمة الشهيدة " على الناس .. كما جاء في قوله تعالى ..
) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا .. (143) (
( القرآن المجيد : البقرة {2} : 143 )
وهو اختيار مشروط بالإيمان والدعوة إلى مكارم الأخلاق .. كما جاء في قوله تعالى ..
) كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ .. (110) (
( القرآن المجيد : آل عمران {3} : 110 )
وذلك تحقيقا لعدله المطلق ..
) .. وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15) (
( القرآن المجيد : الإسراء {17} : 15 )
وبديهي سوف يترتب على هذه المعاني السابقة .. التحول في طريقة عرض الإسلام في الغرب .. أو بمعنى آخر التجديد في الخطاب الديني ( الإسلامي ) . وبديهي ؛ لا يعني هذا المفهوم التبشير بالدين الإسلامي بالمعنى السياسي . بل تعني الدعوة بالدين الإسلامي بتبصير الإنسان بمعنى وجوده ومصيره والغايات من خلقه .. وتتمثل هذه الدعوة في توصيل البلاغ الإلهي الأخير ـ العهد الحديث [13] ـ الصادر عن المولى ( U ) للبشرية لتعريفهم به ( كمالات وفعل ) وتعريفهم بالغايات من خلقهم ( الإيمان المبني على العقل ) .. وحتمية تحقيقهم لهذه الغايات ( العمل بالشريعة [14] ) حتى يمكنهم الفوز بالخلاص المأمول ونيل السعادة الأبدية المنشودة . وبهذا ينتهي الإسلام إلى الارتقاء بالمسئولية الإنسانية حتى تنتهي إلى الفرد نفسه من بعد علم ..
) .. لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) (
( القرآن المجيد : الأنفال {8} : 42 )
وبأن الفـرد ـ في النهاية ـ هو من يملك ناصية مقدراته .. وهو القادر الوحيد على تحديد موقفه ومصيره في بانوراما الوجود ..
والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم .. وهو الموفق والمستعان ..
****************
هوامش المقالة :
- "I want to know God's thoughts; the rest are details."
************
|